مساهمات القيم الكونية للتراث الثقافي التونسي بقلم :الاستاذ منصف كريمي



مساهمات

القيم الكونية للتراث الثقافي التونسي
بقلم :الاستاذ منصف كريمي


في البداية للتباحث في الموضوع من الضروري الوقوف عند مفهوم بعض المصطلحات وأهمها مفهوم "القيم الكونية"والذي يقصد به اصطلاحا ومعنى الأشياء الايجابية المتّبعة في حياة الإنسان والشعوب على الكرة الأرضية وما هو شائع ومقبول منها
وكونية القيم عموما هي ما تعاهد عليه البشر في معتقداتهم وثقافاتهم وما ينبثق عنها وينهل منها من مواقف ورؤى وتصوّرات تنصهر ضمن مجموعة من التوافقات التاريخية في حياة البشرية وعلاقاتها بكل المكونات الدولية والداخلية.
وعلى هذا الأساس، فان القيم الكونية هي مجموعة الفضائل والأخلاق التي تميّز حياة البشر كقيمَ الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وهي قيم جميلة جليلة مقبولة محترمة عند كافة الأمم والشعوب حيث يعتبر صموئيل هنتنغتون في أطروحته "صدام الحضارات"المنشورة بداية سنة 1993 "إن الفروق بين الحضارات ليست فروقا حقيقية فحسب بل هي فروق أساسية أيضا،فالحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والأهم الدين"
ولأنه من الثابت والذي لا يختلف عليه شخصان ان الحضارات المتعاقبة على أرض تونس منذ أكثر من 3000 سنة خلّفت لنا موروثا ثقافيا وتراثيا ماديا ولاماديا ثريّا ومهمّا أهّل بلادنا لتكون عريقة في تاريخها متأصّلة في ثوابتها ومن منطلق تعاقب عديد الحضارات عليها فان تراثها الثقافي متح من التراث الذي سبقه ولقح التراث الذي لحقه في انفتاح على تراث الأمم الأخرى فبلادنا كانت على مدى التاريخ منارة مضيئة في مختلف مجالات الفكر والمعرفة والفنون والآداب إذ نحتت فيها الأجيال المتعاقبة منذ عهد القرطاجنيين والرومان ومن العهد العربي الإسلامي إلى اليوم مقوّمات الشخصية التونسية التي نعتزّ بها والتي تنبني أساسا على جملة من القيم الكونية ذات الطابع الخيري لأن القيم الأخرى هي استثناء وليست من الطابع الفطري للإنسان ذلك أن تراثنا ومن منطلق اعتباره ديواننا المترجم لحياتنا انبنى على قيم الخير والتسامح والتفتّح والحرية والتضامن والمروءة التي تعتبر كما أكّد الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه النفيس "العقل الأخلاقي العربي" " القيمة المركزية في التراث العربي والأخلاق العربية قبل الإسلام وبعده" وأن "الإيمان والعمل الصالح هي القيمة المركزية العليا في الثقافة الإسلامية والفكر الأخلاقي الإسلامي" ذلك ان بلادنا احتضنت عبر العصور مختلف الحضارات والشعوب التي تعايشت ضمن مجموعة من القيم الكونية فرغم اختلاف الانتماءات العرقية والدينية للشعوب التي تعاقبت على بلادنا فإنها تناغمت وتجانست في ما بينها في انفتاح رغم تعدّد الحروب ممّا مكّن من تحقيق عدد كبير من الإبداعات الإنسانية التي أضحت اليوم من تراثنا المادي الموثّق منذ تأسيس قرطاج حيث عرفت بلادنا بداية عمليات الكتابة والرسم واللامادي الذي نوظّفه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تعدّ المعبّر الأساسي عن شخصيتنا في كل أبعادها والذي لا بدّ من مزيد العناية به وحفظه وحمايته لأنه جزء من صيانة الذات والتاريخ وبهذا نحافظ على الشخصية الثقافية الوطنية ويكون في الآن ذاته حافزا يفجّر فينا مجموع طاقات الخلق والإبداع والابتكار بما ينمّي المجتمع.
فمجموعة القيم الكونية المميّزة للشخصية التونسية على تعقّدها وتشابكها أحيانا تفصح عن ثراء نوعي يختص به تراثنا والذي يؤكد أن ربوعنا كانت عبر حقب التاريخ ملتقى الحضارات في تحاور ثريّ بين لغاتها وأديانها وطقوسها بين المادي منها واللامادي
وجدير بالذكر أن الذاكرة الجماعيّة ومن منطلق اعتبارها الجهاز الجبّار الّذي يؤمّن عمليّة متواترة التراث الثقافي بما يحفظه من التآكل و الاضمحلال فإنها كانت مدوّنة كاملة من الرموز البشرية مجسّدة في سلسلة من الشخصيّات التي حافظت عليها فاحتفت بها في مختلف عطاءاتها الشفويّة كالسّير و الأذكار و الملاحم الشعبيّة و سرديّات التأسيس نستحضر في هذا الإطار نستحضر شخصيّة الجازية الهلاليّة الّتي مثلت أيقونة المرأة المثاليّة في المتخيّل الشعبي عبر تجسيدها لقيم الجمال و النّبل و الإباء إلى جانب مجموعة من الشخصيّات الوطنيّة مثل الدّغباجي الّذي خلّدت ذكراه بعض الأغاني الشعبيّة في شجن ملحمي يعكس جراحات غائرة
في الختام،و في ظل الظروف الراهنة التي يمرّ بها العالم لا سيما في ظل الحروب والنزاعات وتنامي ظواهر التعصّب والتشدّد لابدّ أن تلعب الثقافة أدوارا إيجابية بما يشجع على حب الحياة ويوحّد الشعوب ويحفزها على التوق نحو الأمثل والأفضل والانفتاح على حقول أخرى من التجربة الإنسانيّة بما يجعل بلادنا وكما عرفت عبر مجموعة القيم الكونية الإنسانية عبر تاريخها حوض الأمل والحلم من أجل ثقافة مشتركة ديدنها الإنسان جوهرا ومنطلقا ومآلا وفي تقاسم مشترك عالميا للقيم الكونية ووحدة المصالح والمصير
أحدث أقدم