مهدي غلاب يكتب من باريس ..// ثقافة التغابن


باريسيّات : البطاقة عدد 9 

بقلم :مهدي غلاّب



                         ثقافةُ التّغابُن .



منذ زمن مضى كانت الحياة سهلة على المتعاملين والمهتمّين في شتّى المجالات الفكريّة والتّقنيّة، عدا بعض ما اِنضاف من قفزات في ما يخصّ العلوم الدّقيقة والإتّصال، بالخصوص في أوروبا وغيرها ( باريس نموذجا)، وهذا مرتبط أصلا بالإستهلاك والإنتاجيّة الرّبحيّة. فكان للثقافة طعمٌ ولون مختلفان الحقيقة، ولربّما تحضر تمظهرات الرّائحة كذلك في مناسبات، بحكم ثراء التّفاعل وتوفّر الإضافة الأدبيّة والفنيّة من نصّ أدبي ومقالة ومسرحيّة ذهنيّة وكلاسيكيّات بأنواعها وتحميض وتطبيق شمسيّ وإذاعة وتحقيق ومراسلة صوتيّة ومشاركات حائطيّة متفرّقة . هذا دون التأكيد على الدورات التدريبيّة والرّسكلة في عدّة مواد والنّدوات والتوأمة والاِستضافات والتّظاهرات المتنوّعة، اِنطلاقا من الدّرس ووصولا إلى المنتدى والفضاء الثّقافي فالمنبرِ حسب المتوفّر . وكلّ منطقة تسدُّ الفجوة بما حضر من مهندسين ولا يغنيهم المال عن التنقيب ولا يوقفهم القفر المؤسساتي عن الولادة ، فتنجب أحيانا الفكرة فكرة وتنحت القناعة في الصّخر أحلاما . بحيث كان الإبداع صادقاومختلفا، حاضر فينا ويتقدّم في كلّ مرحلة، مستحبٌّ ولهُ سحر ومنافع متعدّدة للمتابعين . وكان السّعي والمُضيِّ في الممارسة في حدّ ذاته مرهونٌ بالمشاركات الحضوريّة وتحكمه الجدارة والنّزاهة ولا يرتبط بتقنيات اِتصالية عبر المسافات فلا تهمّشه منابر نظريّة ولا تميّعه شبكات ولا يدنّسه "سمسار".
يجتمع الأفراد بإخلاص حول الديباجة والمشروع مازال رهن المناقشة فيتمُّ التعبيرُ والتّطوير والإستكشاف للإنعاش في المحافل وإعلاءِ الحقّ والعمل الصّادق والصّالح وطرح المعجزات، وتشريف المستقرّ ورفع الرّاية الوطنيّة بالطّبع، وتقديم النّابغة في حقلها وتعظيم المجتهد ولو كان العمل في حجم ذرّة.
فلا سيّد يحكم بحكم يُمليه وينزّله رأسا من مؤسّسة " قراريّة"، ولا مؤطّرَ يبتعد في الطّرح بدهاء ، اِبتعاد ثعلب عن طير حتّى يداهمه في غفلة منه ويُحدث المكر ، ولا مُنظّرَ يركبُ الحَدث لتوظيفِ الإيجابيّات،
ولا محتكريصطدم بماكينة الإنتاجات فيُقزّمها ولا "تاجر ثقافة " يبيع خدمات المؤسسة بشطيرة أو بشربة آسنة.
أذكُر أني كتبت في تلك الفترات المنشودة أول مقالة صحفيّة في حياتي، في شكل حوار تحقيقي مع رسّام سوفياتي (وقتها) زار مدينة قفصة، نُشرت بجريدة "مرآة الوسط" التي يشرف عليها العميد والصّحفي المُخضرم محمود الحرشاني، وهي دوريّة ورقيّة غلبت الحقيقة الزّمن في دورانه. صدر التّحقيق سنة 1989 على ما أعتقد ، وللأسف لم أعد أحتفظ بنسخة منه ولا بأغلب النّصوص الأولى في الصّحافة أصلا ، نظرا لتواتر التنقّلات الخارجيّة البعيدة وعدم الإستقرار. على كلّ حال، أذكر أنّي طلبت نسخة من الإدارة سيما عند لقائي بالصّديق الأستاذ المؤسّس نفسه في المنستير صيف 2017 في محضر نخبة من أعلام الأدب والفنون منهم؛ الفوتوغرافي الأوّل الصديق عمر عبادة حرز اللّه والفنّانة التشكيليّة آمال الحجّار، بحضور أحد الكتّاب والنّاشرين من تونس.
بعد ذلك بسنوات تطوّرت الأمور وتغيّر نسق التعامل واِتّسعت الهُوّةُ بين القديم والجديد، فاِتّجه النسق إلى ما يشبه البحث عن منطقة نفوذٍ وسط دوّامة، فكان لا يهنأ لأحد قرار خارج دائرة المنفعة الخاصّة تقريبا ولا يتطوّر قائل دون " عصابة" أو منظومة ولا يتصدّر العتبات جدير إلاّ من رحم ربّي. والحقيقة نتأسّف ونعجبُ لمّا يحضر السماسرة في كل محضر لمتابعة "السّوق الثقافيّة"، وتصريف الأمور وتقسيم المناطق و طرح بعض الحالات للمناولة والتّشبيب. فكان كلّ من لا يتقدّمُ بإضحية من المغضوب عليهم وكل من يستعصِي على السياسات التفقيريّة كافرا و زنديقا و يعتبر حسب تقسيم آخر من الجيفة والجياع وبالطّبع فكلّ تقدير يندرج في تسعيرة محدّدة من مختص، وكلّ اعتراف ينسحب على مؤامرة للسلب والسرقة "الرّاقية "، ولا أعرف لماذا يغفل القلم عن تفصيل هذه الممارسات المتوحّشة ،لأنّي الحقيقة ومنذ سنوات لم أقرأ نصّا يشهّر بفساد مثله في القطاع .
وفي فرنسا وباريس على حدّ متابعتي للأمور ما يقرب من ربع قرن لا نستثني صفة من وضعيّة ولا نستبعد رائحة من جثة ، إذ لا توجد جنّة في مكان ، رغم الاِختلافات النّوعيّة المعتبرة في التّعامل، في بلد الحقيقة يستهلك الثّقافة بأمواله ويدخّر للكتاب كما ندخر للخروف. والهنات الحقيقة في هذا الجانب متقدّمة بحيث تحدث صمّاما يفصلنا عن الأصداء الثقافيّة التي نعرفها في أعشاشنا الأولى، وأستغرب من ربط الثقافة بالإستثمار والرأسماليّة المتوحشة والجشع والتمييز والمراقبة الإداريّة والتّعنّت ،لتتضح لنا حقيقة أنّ لكل فرصة تسعيرة قانونية. فتتسلّم الفاتورة والتقدير وتأخذ فرصتك للظهور من تحت الرماد، بحيث أنّ كل دافع يحظى بالهويّة التي يحتاج سواء في المرئيّات أي الفنون البصريَة بأنواعها سواء في الأدبيّات، وبعد ذلك يقع إخضاع الأعمال لقانون العرض والطّلب فيتدخّل المهتمون وبعض الإختصاصيون ليتمّ التصنيف ، ويمكننا هنا أن نضع بائع خضروات ومتعهد وفنّان تشكيليّ في دائرة، يحكمها قانون واحد " تدفع لتصبح". ما يذكّرني بنظريّة الفيلسوف والمنظّر الإقتصادي الإسكتلندي “ آدم سميث " ( 1723-1790) و الذي يعدّ واحدا من فلاسفة الأنوار ، حين ضمّن في كتابه " ثروة الأُمم" مبدأ المبادرة الفرديّة والمنافسة وحريّة التّجارة سبيلا لتحقيق الثروة والسّعادة .كلّنا تقريبا نتذكّر قولته الشّهيرة "دعه يعمل دعه يمرّ "، اِعتمد ونظّر ، ولكنّه اِحتكم لبعض الأخلاقيّات، بالطبع ، منها المنافسة النّزيهة والعمل لتطوير اِقتصاد تكتّلات بحالها ومنها دول فعمل إعلاء الراية ولم ينظر لجشع مجنون، وهذا ما أدّى إلى الطفرة منذ الإكتشافات الكبرى والتنوير . ولذلك فالنتيجة لا تقارن أبدا بحيلة خبيثة ومحسوبيّة ومعاملات متحيّلة مشبوهة ترقى للجريمة ، ضحيتها دائما الثقافة والمبدع بإنجازاته . والحقيقة هذا كلّ ما يحضرني من أعمال، في مجملها معلومة للخاص والعام ولكن لا أحد يتدخّل لوقف النّزيف وسد الثغرة . وكلّ ذلك سيذكره ويوثّقه التاريخ النزيه و"المحايد".
والنتيجة واضحة هنا فحسب دراسة نشرت على موقع " فرانس24" أعدتها كل من وزارتي الإقتصاد والثّقافة في فرنسا سنة 2011، فإنّ جملة عائدات قطاع الثقافة تتجاوز سبع مرّات جملة مداخيل صناعة السيّارات ومرّتين مداخيل قطاع الإتصالات وتوشك أن تعادل عائدات القطاع الزّراعي. ولنا أن نتخيّل خاصّة لما نعرف أنّ فرنسا أول بلد فلاحي في أوروبا. وتساهم الفنون والاداب وغيرها من العناصر الثقافيّة ب 3,2٪؜ من القيمة المُضافة للبلاد، إذ أنَّ الدولة تضخ 12 مليار أورو سنويّا في القطاع الثقافي بينما تجني منه في المحصّلة ما يعادل 58 مليار أورو، وهي أرقام مفزعة إذا ما ربطناها بإقتصاديّات الدول النّامية ، ولكن العبرة هنا بالمشاركة وبالطّبع الفكرة والمحصّلة تنحصر في العقليّة والوعي الفرديّ والجماعيّ أساسا ولا تختزل القضيّة في مال.
وأعرف بالطّبع أنّه لا مجال للمقارنة ولكنّها مقاربات من عمق التجربة هنا وهناك ، نغوص من خلالها كلّ مرّة في بحر، لإيقاظ الضمير الحيّ وإنعاش الميّت منه والتّشهير بالممارسات المشبوهة
وفضح "اللّوبيات الثقافيّة" المنتشرة في كلّ برّ.
مهدي غلاّب / باريس.
أحدث أقدم