حكاية عبد الله الجبنياني الشاعر الذي قتله الحب !!! بقلم : محفوظ الزعيبي

بين الحقيقة والخيال 

 حكاية عبد الله الجبنياني الشاعر الذي قتله الحب !!!

 بقلم : محفوظ الزعيبي 



خاص بالثقافية التونسية




 من أعجب وأغرب ما تناقلته كتب التراث والتاريخ قصة الشاعر والأديب عبد الله الجبنياني الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة وبداية القرن الخامس، وإن لم يتحدد تاريخ ولادته فإنه عاشر ابن رشيق القيرواني المولود سنة 995 م والمتوفي سنة 1064م المؤرخ الذي أقام في القيروان ولازم بلاط المعز بن باديس وكان في تنافس شديد مع ابن شرف، ثم رافق الأمير الزيري إلى المهدية إبان الغزو الهلالي ثم ارتحل إلى صقلية... أما عبدالله الجبنياني فهو عبدالله بن ابي الطاهر بن ابي اسحاق ابراهيم البكري الجبنياني... وكان جده –أبو إسحاق- فقيها عالما ورعا ذائع الصيت ومقصدا لطلاب العلم وأصول الدين في جبنيانة وتوفي فيها حيث أصبح مقامه مزارا مشهورا... ومن خلال البحث عن سيرة حياة عبدالله الجبنياني كانت المراجع ضنينة ولم يرد ذكره إلا في نزر قليل من الكتب يتسم بشيء من الغموض ويخفي كثيرا من التفاصيل، وأخباره تكاد تكون منقولة عن بعضها ومنسوخة حرفيا كما جاءت في رحلة التيجاني، وتحدث عنه أبو بكر عبدالكافي والعلامة محمد محفوظ بنفس الترجمة والنص وكلها منقولة عن ابن رشيق الذي ذكر في –الأنموذج- أنه صاحبه ولازمه فترة من الزمن وأنه كان يتردد عليه ويزوره في صفاقس التي نشأ بها وتأدب وتعلم.. ولا أدري لماذا تخلى عبدالله عن جبنيانة فهل أن أباه الطاهر بن أبي إسحاق الجبنياني ارتحل إلى صفاقس وأقام بها للتدريس أو لسبب أملاكه هناك وكان رجلا صالحا فاضلا وذا وجاهة... أم لأسباب أخرى لم تزل مجهولة... فعبدالله ولع بالشعر والأدب ولكن لا ندري هل تنافس مع ابن رشيق وابن شرف ولم نسمع أنه اقترب من أمراء الدولة في ذلك العصر... وعرف بنباهته وظرافته مع نزاهة النفس وبعد الهمة... وشاءت الظروف أن ينقطع ابن رشيق عن زيارته بسبب ملازمته للمعز بن باديس وانتقاله معه فأثر ذلك في نفسه حيث فقد صديقا حميما مخلصا وغيورا متوازيا معه في الشعر والنبوغ ورفعة الأخلاق وعزة النفس... ولعل من أعجب ما بقي من قصته الخالدة هو حبه لجارية أنجبت منه ولدا تركته وهاجرت إلى الأندلس وكانت غاية في الحسن والجمال... والسؤال المطروح هو لماذا رحلت إلى هذا البلد وهل اصطخبت ولدها... وهل طلقها أم وقع سبيها ...؟ .. ويبدو من خلال أخباره الضئيلة أنه تعلق بها وهام بحبها وكتب عنها شعرا غزيرا ضاع مجمله ولم يبق منه شيء يذكر، فساءت حالته وتعكرت حياته، وقرر الرحيل إلى الأندلس بحثا عنها مهما كلفه ذلك من عذاب ومشقة ومخاطر... وكان لا بد له أن يمر بصديقه ابن رشيق ليودعه... وقد اتصل به وأقام عنده أياما فحاول أثناءه عن القيام بهذه المغامرة التي لا تخمد عواقبها لكن عبدالله اعتذر معللا ذلك بأن عليه دينا ثقيلا قد استغرق ذمته، وصمم على السفر وقد أنشد أبياتا بحضرة ابن رشيق يشرح فيها ما زمع على القيام به من الضرب في بلاد الله عن طريق البر والبحر لأغراض عديدة فعلاوة على البحث عن حبيبته سيغنم مالا وثروة عند اتصاله بالأمراء هناك ليكون معذورا عن فراق اهله وإخوانه وأحبابه، وليبرر حبه العميق للجارية المهاجرة : وهذه الأبيات تفسر دواعي الرحلة :
 أضرب في بلاد الله بــرا *** وبحرا
 بالسفائن والركاب إلى أن تنكر الأحباب مني
 *** ثوائي بالمغارب واغترابي 
 لأكسب ثروة وأفيد مالا **
* وأبلو عذر نفسي في الطلاب 
 فإن نلت المراد فذاك حسبي **
* وإن أحرم فإني ذو احتساب 
 وما فارقت إخواني وأهلي **

* ومن أحببت إلا عن غلاب
 وهكذا ارتحل الشاعر عبدالله الجبنياني إلى الأندلس مارا بالجزائر والمغرب ثم ركب البحر عن طريق مضيق طارق ودخل الأندلس واتصل بالحاجب : الموفق مجاهد بن عبدالله فأكرمه وعظمه وأدناه وقربه واستمسك به لما وجد فيه من فضل وجلالة. ولا شك أن المكانة التي تبوأها عبدالله اجبنياني لدى الحاجب الموفق جلبت له النكد والحسد من منافسيه الذين لم يرتضوا بهذا الحظ الذي ناله من الأمير وقد أوصد عليهم لأبواب طموحاتهم... فتآمر عليه فقه المقام الذي كان ملازما له ولا يفارقه إلا في النوم... فالحكاية الوحيدة والمتكررة في المراجع التي ذكرتها تشير إلى أنه وجد مذبوحا في المضجع الذي يأوي إليه وسكين الأقلام بين يديه... مغالطة كأنه فعل ذلك بنفسه، وما زالت فيها حشاشة... فسألوه من به ؟ فأشار إلى ذلك الفقيه الذي يقيم معه ولم تمض ساعة حتى صعدت روحه ومات... وهكذا توجها أصابع الاتهام إلى الفقيه الذي أنكر نافيا عن نفسه القتل، وبقي رهين القيد والسجن مدة إلى أن جاء ولي دم القتيل فلم تثبت التهمة لأن الشاهد الوحيد فارق الحياة فأطلق سبيله... وكانت وفاة عبدالله الجبنياني سنة 415 هجري... إن هذه القصة تشبه إلى حد بعيد قصة ابن زريق البغدادي الذي احب ابنة عمه – هند – ولما خطبها، امتنعت أمها بسبب فقره طامعة أن زوجها لأحد الأغنياء، ولما ألح عليها ابن زريق واشتد ولهه، اشترطت عليه مهرا صعبا بقيمة خمسة آلاف دينار... فلما تعذر عليه جمع هذه الأموال أشار عليه البعض بالرحيل إلى الأندلس لمدح امير قرطبة : عبدالرحمان... فارتحل من بغداد مارا بالإسكندرية ثم امتطى متن البحر صقلية ومنها إلى الأندلس، ولكن الأمير لم يكرم وفادته ومن عليه بثلاثين دينارا فقط وهو مبلغ زهيد لا يفي حاجة الشاعر العاشق الذي ضاقت به الدنيا ومات حزنا وكمدا في ديار الغربة ولما تناهى إلى الأمير خبر موته وقرؤوا على سمعه قصيدته الشهيرة – لا تعذبينه- التي عثروا عليها تحت مخدته، ندم على ذلك ولم يكن يحسب أنه جاء من بغداد وتحمل كل هذه المشقة أملا في نيل مكافأة جزيلة يفوز بها ليسدد مهر حبيبته... وفي التاريخ العربي اشتهر كثير من العشاق الذين طغى بهم الوجد والهيام ففاضت قرائحهم بأروع الشعر، ونذكر على سبيل المثال : جميل بثينة ومجنون ليلى وقيس ولنبى ووضاح اليمن وعروة بن حزام وعفراء وابن زيدون وولادة وفي عصرنا بدر شاكر السياب ووفيقة ونزار قباني وبلقيس وآخرون... إن هذا الشعر الزاخر بالصدق وفيض الوجدان ولواعج الحب والعاطفة الجياشة والنزعة الإنسانية لهو خير دليل على بلوغه درجات الرقي والسمو بالنفس... ورقة المشاعر ورهافتها... وقد تأثر الأدب الغربي على مر العصور بمثل هذه القصص العاطفية الخالدة التي نبعت في البلاد العربية من شرقها إلى غربها وخلدت ملاحم في الحب والغرام أضاف إليها الخيال ليزوق ويصنع منها الأساطير... فروميو وجوليات وتريستان وايلدا وكذلك أراغون للزا وحكايات أخرى لا يتسع هذا المجال لذكرها هي دليل على أن الأدب الغربي قد استهلم من تراثنا العربي هذه الطفرات وحكايات العشق المشحونة بالعاطفة والمآسي والنهايات الحزينة. وستظل حكاية الشاعر عبدالله الجبنياني بعد مرور زهاء ألف عام عليها حادثة مثيرة للجدل وحقلا مفتوحا للبحث والتنقيب رغم ضآلة المصادر وشح ينابيع الأخبار... م - ز
أحدث أقدم