عبد اللطيف الفراتي يكتب عن الشاذلي القليبي ... عندما يموت كبيرٌ في زمن الكورونا


عبد اللطيف الفراتي يكتب عن الشاذلي القليبي ...



عندما يموت كبيرٌ في زمن الكورونا 

الشاذلي القليبي: كان مؤسسة قائمة بذاتها.


بقلم عبد اللطيف الفراتي



 مما يزيد من لوعةِ الحسرة والفراق، أن يـموت رجلٌ مثل الشاذلي القليبي، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، ولا نستطيع المشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، في هذا الزمن السيّىء بكل المقاييس، مثلما حصل لي قبل أربعين يوماً، عند وفاة صهري زوج ابنتي الكبرى، على صغر سنّه نسبياً، فلم نستطع مرافقته إلى مثواه الأخير. الإحساس عينه والظروف ذاتها، أن يموت قريبٌ على صغر سنّه، هو هشام المراكشي، ونفتقده فلا نلتقيه حتى ميتاً بطعمٍ حاد للمرارة، مصيبة كبرى، وأن يموت عملاقٌ مثل الشاذلي القليبي، مصيبة بطعم آخر في مرارته في الحلق ولا نتمكّن من تشييعه كما يجب. كان الشاذلي القليبي يملأ الساحة، بعلمه وهدوئه، ودماثة أخلاقه، وكفاءته وتفانيه في خدمة الصالح العام، بدون ضجيج ولا ادّعاء. منذ أن جاء من فرنسا حاملاً إجازة في اللغة العربية وآدابها، وهو في عمل دؤوب لفائدة بلاده، ولفائدة الأمة العربية جمعاء، والإنسانية كلها. صادقتُه واقتربتُ منه كثيراً، وإذ ليس غريباً أن أحمل له تقديراً بلا حدود، فلن أكون مُدّعياً إن قلتُ بأنه كان يحمل الشعور عينه تجاهي. لم يكُن يُفصِح عن ذلك، ولكني كنت أستشفُّ ذلك منه شخصياً، ومما كان ينقله لي أقرب المُقرَّبين إليه وخصوصاً أحمد الهرقام ومحمد المغربي. وحتى نعرف معدن الرجل بلا رتوش سأتوقّف، عند أربع محطات تُبين عمق فكر، وأخلاق الرجل: أولُها في سبعينات القرن الماضي، عندما كنتُ صحافياً شاباً، ولكني كنتُ لسببٍ ما أحوز على رضا عددٍ من المسؤولين وكبار القوم، وفي الوقت نفسه على استهجان بعضهم، علماً أنني لم أكن بعد أحمل أية مسؤولية لا في صحيفة “الصباح”، ولا في المجتمع المدني وبخاصة جمعية الصحافيين التي تولّيت فيها مسؤوليات عديدة قبل أن أصبح رئيساً لها. في أحد الأيام، دعتني كاتبة وزير الثقافة والإعلام في حينه الشاذلي القليبي إلى مكتبه، وكان بيننا في جريدة “الصباح” والوزارة مئة متر، بين نهج علي باش حانبة ونهج الجزائر، دخلتُ مباشرة إلى مكتبه، حيث وجدته مُضطرباً، إذ أنه صدر يومها أمرٌ باحتجاز جريدة “تونس إيبدو”، وقد استدعاني ولم أكن أحمل صفة رسمية ليقول لي: لستُ مسؤولاً عن إيقاف الجريدة، وأنت أول العارفين أنني ضد النيل من حرية التعبير، وسأسعى جاهداً للرجوع عن هذا القرار. فهمتُ الرسالة، وبلّغتها على أنها معلومة من عندي، وخفَّ جوّ الإحتقان الذي كان سائداً يومها، وكان له الفضل في إلغاء القرار. وثانيها وهو حديث عهد في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في أواخر سبعينات القرن الفائت، عندما دعاني إلى مكتبه، كان أمامه مقال للدكتور كلوفيس مقصود، وهو كاتب وسياسي لبناني مرموق، كان كتب مقالاً رائعاً في صحيفة “النهار العربي والدولي”، التي كنت مُراسلاً لها في تونس. طلب مني القليبي أن أسعى بصفة غير رسمية، للإتصال برئيس التحرير يومها عبد الكريم أبو النصر، وأُنَظّم معه دعوة لاستقدام الدكتور مقصود إلى تونس من مقره في بيروت، لمقابلة سرية مع الأمين العام لجامعة الدول العربية. وفعلاً تمّ ترتيب الأمور، ووصل الدكتور كلوفيس مقصود إلى تونس في طي الكتمان، واستقبلته في المطار، ورافقته بسيارتي إلى مقر الجامعة العربية في شارع خيرالدين باشا. أوصلته إلى الطابق السادس وانسحبت إلى مكتب أحد الأصدقاء الكثيرين في مقر الجامعة، من دون أن أنسى تنبيه السكريتيرية الخاصة بالأمين العام إلى مكان وجودي. دامت المقابلة نحو ساعة ونيف، ثم تمّت دعوتي لاصطحاب الدكتور مقصود إلى فندق “أفريكا”، حيث كنتُ حجزتُ له “سويت”. إصطحبته إلى الفندق، ولم يُحدّثني بشيء طوال الطريق، قدّرت تحفّظه، وأوصلته حتى الإستقبال واطمأنيت إلى أنه تسلّم مفاتيح غرفته. عشية اليوم عينه، صدر عن مكتب الأمين العام قرارٌ بتعيين الدكتور كلوفيس مقصود سفيراً مندوباً لجامعة الدول العربية في الأمم المتحدة، وكان أفضل سفيرٍ للعرب في المنظمة الدولية على مدى 10 سنين، بصوته الصادح وتحاليله المُقنعة وقدراته الخارقة على التواصل. ولن أُطيل الحديث عن فراسة الشاذلي القليبي في اختيار المساعدين المُقتدرين في الإدارة التونسية، ولكن سأتوقّف عند مَن كان له فضل اختيارهم، وهو أمين عام للجامعة العربية، ومنهم حمادي الصيد كسفير للجامعة في باريس، حيث أمكن له بعلاقاته الواسعة وفصاحته وسيطرته على أعقد الملفات، أن يُعطي للقضية العربية بُعداً لم تكن له سابقة، وثالثة الأثافي عندما عيّن أحمد الهرقام سفيراً للجامعة العربية لدي ديوان الأمم المتحدة في جنيف، حيث يتم التحضير لأهم القرارات التي تهم الصراع العربي-الإسرائيلي. رافقت ذلك إدارة إعلامية نشيطة في المقر بتونس جمعت محمد المغربي وعبدالله عمامي واللبناني وليد شميط. وقد تفطّن القليبي، وهو رجل الثقافة والإعلام، إلى الدور البارز لكليهما في تشكيل رأي عام مُساند للقضايا العربية. وثالث موقف شهادة هو أني وكنت في 1979 حديث عهد بالمسؤولية في جمعية الصحافيين، عندما دعاني يوماً، وسألني عن مقر الجمعية، وكان يراها “بالعين الكبيرة ” كما يقول مثلنا الوطني، وهو الذي تم استدعاؤه لمقرات نقابات وجمعيات الصحافيين، للمحاضرة في نيويورك وباريس والقاهرة، ورجاني أن أجد وأتدبّر مقراً لائقاً للجمعية، على أن تتولى وزارة الثقافة والإعلام تمويل تكاليف الإيجار والتأثيث. وقبل يوم من مغادرته الوزارة، ليتولى الأمانة العامة للجامعة العربية، سلّمني شخصياً وباسم الجمعية صكاً بمبلغ الكراء والتأثيث، بعدما كنتُ قدّمت فاتورة، في تلك التكاليف. وكانت تلك أول مرة تنتصب فيها الجمعية في مقر لائق في نهج النمسا في قلب العاصمة. ولن أُطيل أكثر، ولكني سأذكر أن الشاذلي القليبي، كان هو محرر وكاتب الخطب الرسمية للرئيس الحبيب بورقيبة، وكان تأثيره كبيراً فيها. ولعلّ أبرزها ذلك الخطاب الذي أعلن فيه بورقيبة عن أنه لا ” يرى مانعاً في قيام أحزاب غير الحزب الحاكم، وهو نص تاريخي باعتبار ظروف ذلك الزمن في 1980/1981، تم تصوره في الصيغة المقبولة من الرئيس بورقيبة، بالتعاون بين الشاذلي القليبي ومحمد مزالي الوزير الأول آنذاك. وخلاصة القول، إن الشاذلي القليبي لم يكن أقل من مؤسسة قائمة الذات بشخصه وهدوئه وسلامة سريرته ووطنيته ونجاعته. رحمه الله.
أحدث أقدم