مهدي غلاب يكتب من باريس // الافريقي والكلاب الثلاثة


باريسيّات : البطاقة عدد 12بقلم : مهدي غلاّب.






الإفريقيُّ والكلاب الثلاثة.



تحفظ لنا بعض الأحياء الباريسيَة الراقية حكايات الحقيقة لا نتوقّعها في برّ، ولربّما يجدرُ وضعها في إطار الحبكة الكوميديَة السّوداء لعمل فنّي أو اِستعراضي في المسارح المنتشرة بعاصمة الأنوار، اِنتشار العمران في الحاضرة.
حدثت بأحياء الجنوب الغربي لسنوات وكان الجمع لا ينتظر الوقع ولا يتربّص طرف للإيقاع بطرفٍ، حيث وفد على الحيّ الشعبيّ منذ خمس سنوات ، شيخ إفريقيّ في السبعينات من عمره، أصيل بلاد "ساحل العاج" ، اِستحوذ على مكان مجانيّ في بهو القبو الجانبي وركّز أعراضه ونصب تمثاله وعرض الخدمات وقدّم المساعدة للبعض وقت الحرج ، رغم أن الفئة الشبابيّة تزاحمه في "المربض" والمقصورة والخبز ، فكان لا يهدأ له قرار . في كل مرّة تثور ثائرته، يطارد الصّغار ويهدّد الكبار ، يشق المساحات المنتشرة طولا وعرضا ، بجبّته البيضاء الإفريقية والقبّعة ترقص فوق الجمجمة فيدكّها ثم تسقط فيعيد غرسها على الصّلعة وبعد ذلك تتمايل مرة فيوجّه ويثبّت ويرتّب المقدّمة في تعامد مع الجبهة البراقة، وأحيانا يشرع في إلقاء الحجارة والقاذورات بغيض كلما شتمته الشّبيبة ورجعت لجحورها المتفرّعة والمتفرّقة داخل الحي الفسيح. كان يبصق على الأرض ويسبّ الجالس والواقف رغم أننا نعرف برودة "العاجيين "النسبيّة ودهائهم السياسي وتدبّرهم وقت الضّنك فلا تقارنهم بجالية أخرى في القارّة السّمراء، لا بعربيّ الحقيقة ولا بصحراوي ولا بنيجيريّ. وهم أصلا قلّة بفرنسا، لا تملك حماية لظهورها من الإغتيال والغدر والمكيدة إلاّ في تصنّع المكر والدّهاء. فالجالية كلّها لا تتجاوز 80 ألفا، يتركز أغلبهم بالحوض الباريسي. قدموا منذ الهجرة الأولى في الخمسينات أو بعد الحرب ، للعمل في مناجم الفحم والفولاذ شرق البلاد وبقطاع البناء بباريس وغيرها.
كان الشّيخ الإفريقي يتجوّل طيلة اليوم ، يرقد داخل القطارات المسافرة ويتسكع ببعض المحطّات الكبيرة منها الشّمال ومحطّات ليون والشّرق و"مونبارناس"، يجرّ حذاءه وبعض الأغراض البالية بحيث ترسم خطّا مترهلا على اِمتداد المسافات . ثمّ يعود آخر المساء يتصدّر العتبات ويطلّ برأسه من قنّه يتابع الحركة ويتفقّد صناديقه المنتصبة عائقا في القبو ، وكلّما تزعجه الأصوات ينطلق في مطاردة غريبة بحيث تتصوّر أنه يطارد ظلّه. ينطلق مسرعا من مربضه يتفقد أبواب الحيّ الثلاثة، كما يتفقّد الطبيب مريضهُ . تدخل القبو لغرض العناية بالمقتنيات المرصوصة وترتيب الأثاث فتقتلك رائحة البول ثم تتسرّب الحشائش المتنوعّة بمستخلصاتها إلى الأنف والحنجرة مهما أحكمت السّبابة والإبهام مطبقان ، فلا تتردد وتتسرّب بسلاسة كالعطر الفاخر .
ومرّة رجع من ملتقيات متفرّقة واِجتهد ووضع الوردة على الجرح فلم تتحسّن الوضعيّة وضايقه الحصارُ فقصد الأولاد في الباب الخلفي يلعنُ ولمّا تفرّق الجمع وجد الكرة في الملعب فأخذ يمزق ورمى البقيّة فوق المبنى ولكن عاودوا التقليد . ومرّة رجع بخفي حنين وبارت حشائشه وفسد لسانه فتلعثم عندما دخل الباب الرئيسي بثلاثة كلاب من "الطراز المخيف.". فاِستفسر الجيران وبينما اِنخفضت حركة الأطفال اِزداد شراسة ومكرا فصار ينشر أغراضه على أبواب الإقامة ويدخّن عند البهو الرئيسي ويتجسس على الرسائل ويتفرّج على البعيد والقريب وينتظر الجميلات عند المدخل الثالث ويترصّد ويطمع في نظرة من صبيّة.
ولمّا صعبت الحركة على الأهل وتضايق الأغلبيّة وتقيّد الصغار وتشتت الكبار،
جاءهُ رجل أشد سمرة وأقل سنّا وأعتى يطالبه وشتت المعطيات في صمت .
ثم لما اِلتقيا فرصة أخرى وعاتبه على الأعمال ، طالبه بإبعاد الكلاب لانها مجلبة للأخطار ومخيفة يتجنّبها الحاكم والرعيَة.عجزت النساء والبقيّة على الحركة في المبنى وفي الجوار بحيث صارت الأبواب منافذ له وحده، يسرّب منها سلعته ويستقبل الوافد والمهتم ، فجمع مجانين الأرض بالمساحة السكنيّة ولوّث ما لوّث باِسم الضجيج والحمّى.
قال الرّجل منفعلا : كيف تطلق كلابك ترتع بإشارة وتربط المدينة؟
فردّ الإفريقي ّ: هذه مؤتمراتي ولا أسعى للفساد في الأرض مثلكم.
ولمّا اِنتهت التمثيليّة وطلعت الشمس مرة أطلّت الرائحة على المجاور ، بحيث كانت القراطيس ترمى في حفرة ، والأوراق تجمع في صمت والرواد يزدادون بموعد أو بدون.
حضرت السلطات على حين غفلة بعدما تم إطعام الكلاب الثّلاثة وتناوب عليها المنوّم و غيره وتم رفعهم للرفق وأما الإفريقي حضر منطقة الحكومة والسلسلة تتدحرج من الذراع إلى الرسغ ، كما نتخيّل صورة السجناء البرتقاليين . جلس برفق وبينما سقطت القبعة السقطة الأخيرة ، مرّ شرطيّ بحوزته بعض المعلبات من الحشائش البنيّة الغريبة يستعرضها للتلفاز .
ثم سادالصمت وبعد ذلك ِاشتعلت الأضواء وسط القاعة، فعاد الأطفال لصراخهم وعادت الشبيبة للمهاترات في المخرج .
مهدي غلاّب / باريس
اللّوحة : من أعمالي.

أحدث أقدم