مباشرة من باريس..السان يسحب احضانه بقلم مهدي غلاب

باريسيّات : البطاقة عدد3

بقلم : مهدي غلاّب



"السّانُ ” يسحبُ أحضانه


بعد فترة إنقطاعٍ عن قلب العاصمة الباريسيّة، عُدت مرّة لزيارة الملهم الأوّل، نهر "السّان " وروافده والمحطّات الحالمة على الضّفتين. وصلت مسرعا إلى منتجعي - رغم الحجر الصحّي الشّقيّ - بتعلّة زيارة أحد الأقارب المسنّين قاطعا الحيّ اللاّتيني، بكلّ ما فيه من منعرجات ومسالك ملتوية كانت لزمن قريب زاخرة بالسّلع والمعروضات والمارّة، تكسوها الألوان من كل جانب. يعترضني ويراوغني في كل خطوة خيالي، وبعض البؤساء المستقلّين، المتمددين على الرصيف. ظلّ يسابقني خيالي الطّويل بعدما أودعت ظهري للشّمس تشرق ثم تغيب، كلّما أسلك مدخلا يتغيّر وينحرف، يصعد فوق المساحات، ثم يختفي في لحظات. يطاردني ثم يسبقني وأحيانا يختبئ في مداخل الشّرفات الكئيبة المغلقة ، ثمّ بعد مسيرة محترمة، اِرتطم بالكنيسة المحاذية وفي لحظة اِستقرّ فوق سقفها المحترق نصفه
وهي البناية التي يسمّونها "سيدتنا العجوز" -سيّدة نفسها الحقيقة - مع أنّي قلت فيها مرّة شعرا على إثر الحريق الموجع الذي دمّرها تقريبا، أذكر المقطع القائل :
أَقْفَلْتُ بَابَ العِشْقِ صِرْتُ زَاهِدًا
وَالنَّارُ رُهبَانٌ يُعَادِي تَوْبَتِي
تَأْتِي عَلَى الأَعْتَابِ تُنْهِي مَعْلَمًا
تُلْقِي بِهَا الأَقْدَارُ فِي تَرنِيمَتِي
"فِيكْتُورُ" بَيتُ الحُبِّ يُشْفِي سُقْمَهَا
لَمَّا تَلَا نَصًّا تَلاَشَت غُصَّتِي
اِستقرّت الظّلال عند الجرس العظيم، تودُّ أن تقرعه من جديد حتى تستفيق البشريّة من سباتها، وتنتبه للمحضورات والأخطار المحدقة، كانت تدقّ الجرس وأنا أركل الأرضيّة وألعن لتعود، حتّى شارفت على الخلفيّة. بعد فترة أرسلت لي ريح خفيفة "طعم " النّوم واِنقطعت المطاردات .. صار النّهر، سجّاني، يخاطبني بصمته وأنا أكتب المفردات، أُصنّف الكلمات، يغذيني وهو جائع ، يتوقف الخرير كلّما تكلّمت. تذكرت الفترات الورديّة والعشق الثمين مع رفيقتي الشّقراء والمراكب تحرسنا والضّوء يدفعنا إلى الأعماق حدّ الإنطلاق ، كان النهرُ اليوم أخرسا مسكينا لا يقارن ب"مجردتنا" الحبيب، نهرنا الخجول، لا يغلبه الحقيقة ولا يضاهيه ..كنت كلّما ألتصق بجسد التّمثال تتدفق المعنويّات. فجأة توقّف الخرير، وغاب الطّير . لبست الحبيبة سترتي الوحيدة لتواجه المعتقل ولا تستسلم "للتّيّارات السلبيّة". وتفقاُ عين الغاشم " الإمبريالي ". أفقت بعد برهة عاري الصّدر والكدمات تنتشر في أضلاعي، كانت ظلالي تتمتّع وحدها وتصطاف وتتجوّل وتطير في عالم مجهول بعدما تحطّمني وتقزّمني. "السّانُ "رحل، بينما ظلّت العجوز المقدّسة مستلقية للشّمس، كما تستلقي الغانية للأثرياء.
مهدي غلاّب / باريس
أحدث أقدم