باريسيّات : البطاقة عدد 7 بقلم: مهدي غلاّب ميزانُ العقلِ

باريسيّات :

 البطاقة عدد 7
بقلم: مهدي غلاّب
                              

                       ميزانُ العقلِ


في السّنواتِ الأخيرة تزايدَ عددُ المتشرّدينَ وسط باريسَ وفاق عددهم الثلاثة آلاف حسب إحصائيّة سنة 2019. يجُوبوُن الشّوارع ليلا نهارا ورؤوسهم مرفوعة باِسم الحريّة وحقوق الإنسان. فالسلطة تشدّد الحصار وتقوم بالإجراءات الوقائيّة بقدر الإمكان والجمعيّات الحقوقيّة والإنسانيّة تفكُّه وتعارض كل إغلاق أو تحجير. بدا واضحا إذا حتى قبل الفترة الصحيّة الصعبة مقدار الصّفعات التي تتلقّاها المنظومة وحجم الترهّل والتشقّق الذي يحدق بالمعطيات البنيويّة والتأسيسيّة، حتّى جاءنا الحجر جميعا فأظهر فيما أظهره؛تَساوي صاحبَ المالِ مع الفقير وصاحب السلطة مع الضعيف وصاحب النعمةِ مع الجائعِ. بحيث تغيّرت بعضُ المفاهيم ووُضعت بعض الثوابِتِ في الميزانَ ، منها مفاهيمُ الإنسان والعقل والمدينة والإنتاج .
هل نستطيع أن نعيش باعتماد المفاهيم التقليديّة المتعارفة التي ظللنا نستلهمها ونعتمدها كثوابت ثوريّة حتّى نهايات القرن العشرين وليدة الثّورات الكُبرى، أم أن الوعي البشري ونتيجة التفاعلات الطبيعيّة والتأثيرات الكونيّة سيرغمانا على تغيير المفاهيم ؟
ظلّ الإنسان كمفهوم عقليّ صرف كما يراهُ هيغل مرتبطا بالواقع و تمّ اِعتبارهُ في عديد النظريّات محاكيا للطبيعة وممثلا لأرقى درجات التطوّر فيها، وهذا ما حدّدهُ المعلِّمُ الأول أرسطو بقوله:
"الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ " وصولا فيما بعد إلى أرقى النّظريّات الطبيعيّة التي تعتبر أن الإنسان من أصل حيوانيّ يمتلك قدرة التطوّر حسب متطلبات الطبيعة واِحتياجاته، والتي هي في حد ذاتها جزء من السّيرورة الطبيعيّة كما بيّنت نظريّة "النُّشوء والإرتقاء" للعالم و الباحث الطبيعي الأنقليزي شارل داروين ( 1809-1882), وهذا ما كذّبهُ الدين فيما بعد اِعتمادا على بعض البراهين والمعجزات الخلقيّة.
الفترة الصّعبة الحاليّة، والتي اِعتبرت طويلة نسبيا بما فيها من خصوصيّات
"سجنِيّة " حملت بذور فنائها وطرحت أول اِمتحان حقيقي حول مدى جهوزية الإنسان في مواجهة التراكم الطبيعي ولإظهار مدى تأقلم النوع البشري مع إمكانيّة مواصلة الحياة سيّدا لا عبدا في الحقبة القادمة، متيقنا من بقاءه ، لا متوجّسا من الإنقراضِ والذوبان في غياهب التّاريخ .
في هذا السّياق يرى الشاعر والمُفكّر السّوري علي أحمد سعيد والملقّب بأدونيس أن الفترة الحاليّة أظهرت عديد التشقّقات العميقة في التوازن الفكري والوجوديّ البشري وكلها ستساهم حتما بصفة أو بأخرى في قلب الموازين وإنتاج دلالات كونيّة جديدة. ومن بين أهم هذه التمظهرات القادمة والمتضحة في الرؤية المستقبليّة حسب نظر المفكر أدونيس:
1- ضمور «الظاهرة العربية» وانحلالها.
2- التحوّلات الآسيوية مُضاءةً بالصعود الصيني.
3- التفكك «الجماعي» الأوروبي مُضاءً بـ«الفَردَويَّة» أو «التَّفرديّة» البريطانية.
4- الهوس الأميركي العسكري - الاقتصادي بأحادية الهيمنة، وتحويل العالم إلى معازل وأسواق ومعسكرات.
من خلال هذه الإشارات نفهم أن الإنسان لم يعد مخيّرا في التحكم والتطبيق واِعتماد المفاهيم العقلانيّة، بل أنّ البناء الحضاري عبر التّاريخي بدأ يظهر كبوات من حين لآخر تُلمِّح في جانب من جوانبها إلى عجز الإنسان وأكثر من ذلك جهله لعظمة الخلق فالفرد يظل في اَفاق هذا الكون العجيب مثل قشّة في محيط، ولربّما ما نجهله عن ذواتنا وعن العالم أعظم ممّا نعرفه.
من هذه الكبوات التي توقظ ضمائرنا من حين لآخر وتدفعنا للمغامرة حفظ لنا التّاريخ بدون شفقة ولا رحمة فشل التجربة الإنتاجيّة الشيوعيّة واِضمحلال منظومتها وتقزّم نظريتها العالميّة والهزّات المتتالية التي يتعرّض لها النّظام العالمي الرأسمالي اِنطلاقا من أزمة 1929 التي حوّلت طبيعة العلاقات والثّوابت العالميّة هذا إضافة إلى عدد معتبر من التهديدات الكونيّة في الفضاء الأرضي الخارجي حسب علماء الفلك والكوارث المتعدّدة، و اِشكالية التكاثر الغير مدروس للبشر على البسيطة وتكلفته العالية في الإستهلاك وفي استنفاذ العناصر الحياتيّة الأساسيّة من ماء وغذاء وهواء . وبالطّبع ما يترتّب عن هذا الحضور البشري المتزايد، من فاتورة مكلفة على المنظومة الطبيعيّة منها ملايين الأطنان من القمامة التي تعمل بعض الدول على التخلص منها في الفضاء الكوني ، ما يزيد الأمور تعقيدا. دون أن ننسى معضلة الحجر التي أيقظت الضمير الحيّ والميّت على حدّ السّواء. ومن هذا الباب نعود من جديد إلى الحديث عن تجاوزات القوانين المبنيّة أصلا على الإنضباط، فالمتشرّد إنسان متمرّد على القاعدة الإجتماعية العامّة وكلّ متمرّد مجنون وكل مجنون يزيد قطرة في محيط اِلإنفلات الكوني .
في الحقيقة مجمل هذه الإشارات وما تحمله من تحديات وتهديدات قادمة ، لا يمكن لنا بإي حال من الأحوال أن نتجنبها وأن نتركها تمر مرور الكرام ونغرس رؤوسنا في الرّمال أمام حدوثها وتبلورها. هي تهديدات لم تعد بعيدة تُنذر بزوال أو بتغيير .
فإذا ما لم يستثمر العقل البشري في إمكانياته ولم يبحث عن بديل فإن الأمور ستؤول حتما إلى نقطة الصّفر مجدّدا. لربّما استثمار الإنسان وبحثه في تطوير الذكاء الإصطناعي والآلة الذكيّة يكون المخرج الوحيد، وإذا كان ذلك ممكنا وعلى درجة من اللإتقان والبناء، أتساءل هنا وأمضي ، هل يمكن للعقل المعلوماتي الذكيّ أن يعوّض الإنسان ويتجاوز هذه التحديات الجدّية ؟ وإلاّ فلا أعتقد أنّ المصير سيكون ورديّا.
مهدي غلاّب / باريس.


أحدث أقدم