باريسيّات: البطاقة عدد 10 بقلم: مهدي غلاّب. بُطونُ المفترقاتِ

باريسيّات: البطاقة عدد 10
بقلم: مهدي غلاّب.

                                                        بُطونُ المفترقاتِ




في الأحياء الباريسيّة الجانبيّة المتوزّعة شمالا وشرقا، يتنوّعُ الغِطَاءُ وتتفاوت الحُلَّةُ متزاحمة في خطوط أفقيّة عدا بعض الهضاب المتكئة على الأفق القريب، تطلُّ في المحيط باِرتفاعات محترمة ، كَما تطلّ صخرة على كهف، نحسّها قادمة، مهدّدة، كما يُقدم التّيس على سيّده من بعيد على حين غرّة في المزارع المنبسطة، بحيث يكون ركضه كالبرق سريعا ومفاجئا ، ثمّ نستمع بعد ذلك إلى الدكّةِ توقظنا كالبرقيّة.
والتّشكيلة كلّها عبارة عن مجموعة تلال مهمّة الحقيقة وهي موضوع حديثنا .
تندفع صعودا منذ العصور الأولى لتُشكّل عنق المدينة وتساهم في إضافة حلّة معتبرة للمشهديّة الرّائعة أصلا.
يتجاوز اِرتفاعها مئة متر (128 متر تحديدا)، وتنحصرُ في نقطتين، مُتباينتين على مستوى الشّرق والشّمال ؛ النقطة الأولى تضمّ منطقة "التِّلغراف" الملتفّة على شارع "هاكسو " والجوار، والنّقطة الثّانية تتموقع بهضبة كاتدرائيّة "القلب المقدّس" بمونمارتر السياحيّة الشهيرة، يحيط بها 38 سلّما للصّعود من كلّ الجهات، يضمّ أطولها 500 مدرجا حجريّا تتصاعد ملتوية من المنحدر إلى القمّة. وكلتا القمّتان ترتبطتان بالمنطقة الباريسيّة ، وترتفعان 128 مترا على مستوى التدفّق النهريّ بالوسط البعيد نسبيا . دون الحديث أصلا عن المَعْلم المعروف "برج إيفل " على مساحات "حقول مارس" والذي يرتفع 324 مترا فوق سطح الأرض ويحتلّ الصّدارة عالميّا في نسب الزوّار، إذ وصل عددهم سبعة ملايين في 2015، ليتخطّى العدد الإجمالي منذ اِفتتاح البرج 300 مليون زائر من مختلف دول العالم .وهذا ليس موضوع حديثنا في التّقرير وإنّما أردنا التّعريج ، والحديث بالخصوص عمّا يجدّ في هذه ِالمرتفعات الغابيّة والسّكنيّة المتدليّة من السّقف الباريسيّ المتعامد والمتنوّع ما بين النّاطحات والمسطّحات.
الغريب هنا هو ما تستحوذ عليه هذه الأجزاء من صفات طبيعيّة وجماليّة تتنافس تقريبا، وبصراحة، تضيف وتدفع الوافد إلى الإنطلاق والتحقيق والتخليّ عن الدرّاجة بحكم الإرتفاع، إلاّ الرياضيّين المهووسين والمعتادين وقد خُصّص لهم مجال وممرّات مبنيّة بعناية. وأول ما يجلبنا هو اِنخفاض الحرارة من درجة إلى درجتين مئويّتين على مدار العام، بالمقارنة مع باقي المدينة. فتكون بذلك المنطقة المرتفعة أقلّ حرارة من الباقي ومنها الأحياء الواقعة و المتاخمةُ مثل "سان جرفي" و"بلبُور " وهضبة الفنّانين بمونتمارتر وجزء من "لِيلا"، بحيث وأنت بفارق أمتار تحسّ نفسك في مدينة شماليّة بعيدة ، ويكثر الإقبال حتّى من الباريسيين أنفسهم خاصّة في الصيف، حيث تعدّ بحدائقها العامّة وبالمصاعد الآلية والشرفات العملاقة ذات الإطلالة العالميّة وبالمناظير العمومية المنتشرة المتركزة في الأركان دررا للإستكشاف ولوحة "بانوراميّة" من لوحات العالميّ
"إدوارد ماني" رائد الإنطباعيّة في الميدان التّشكيلي إلى جانب السوق المعلّقة و"دارالهواء"، ثمّ تنحرف يمينا لتجد مقرّ المطربة الشهيرة "أديت بياف"
(1915-1963)، على بعد خطوات من شارع "سيمون بوليفار" وكلّها منتجعات ومناطق جذب.
إنّ الطبيعة وحدها تكاد تكون بديهيّة ولكن المعجزة في المعجزة والأرقام والحديقة الخلفيّة . فالحديث يصبح ذو شجون وتختلف المصطلحات بالطبع ونتعثّر أمام الخصوصيّة لمّا نكتشف الثراء ب" مونتمارتر" ولا أتحدّث هنا عن الرّاقصات ولا عن الملاهي الليليّة، بل الموضوع يتعلّق بالإستقلاليّة في المائدة وفنونها، فالمنطقة نجحت منذ القرن السادس عشر في تأهيل الأرضيّة لإنتاج الكروم على مساحة 2000 متر مربع اِشترتها بلديّة باريس في الدائرة 18 من المناضل والسياسي الحقوقي " أريستيد برياند"(1862-1932) منذ بداية ثلاثينات القرن الماضي . تدرّ هذه التّقاليد الفلاحيّة العجيبة وسط المدينة على متساكنيها العناقيد البكر والسّكينة والمتعة وتؤمّن الإستقلاليّة في إنتاج الكروم المتنوّعة للمائدة وغيرها. وقد جاوز المحصول 1950 كغ سنة 2016، يتمّ ترويج البعض عند اِفتتاح الموسم في اِحتفاليّة كرنفاليّة شهر أكتوبر من كل سنة تحت إشراف الجهات الرسميّة والجمعيّات، يحضرها عدد من الفنّانين المعروفين، ويحوّل الباقي إلى المصانع القريبة لإنتاج عدد من الخمور والمشروبات التي ناهز عددها الستّة علامات ، يقع تصدير البعض إلى الأسواق الدّوليّة، منها أجناس عالميّة مثل :" القاماي "، و"البينو الأسود" و ”التّومري"، وهي مستخلصات رفيعة ومؤشَّرة قانونيا مثلما نجد عندنا " سيدي سعّد" و" قصر الكوديا". وبعد ذلك ننحدر منبهرين في اِتّجاه الجنوب لنجد أنفسنا أمام القصر الأحمر ، أول ما تضع الخطوة تخاطبك المعروضات المصطفّة من الحيّ والميّت، حتى لتجد فيها طعم القاهرة سيما، وأن مسرح "الأقصر" على مقربة ، وهو المبنى المصنّف معلما تاريخيا منذ 1983 ، ثمّ يمتد "شارع ماجنتا" إلى مسافة ،فتتفطن لباعة الحيّات والزهور المفترسة بحيث يصل طول "البيثان " أو البواء الواحد لبضعة أمتار والسلحفاة البحريةالعملاقة و غير ذلك من حيوانات الأحراش عندنا مثل الضبّ والورل والسحلية . وهي بالطبع عيّنات تم جلبها في الغالب من شمال اِفريقيا والكاراييب والمناطق المداريّة الأخرى . ويحضر عنصر الثراء بكثافة كما ذكرت حتى في الخضروات والغلال ، بحيث يوجد الدلاّع في الشتاء والتين الشّوكي و ”الباباي” والبرتقال في الصيف والموز طيلة السّنة وبالطّبع نتحدّث عن الغلال لأنّ السوق الأسبوعيّة الأكبر توجد في الجوار وأغلبها من باعة وعمّال الجالية. وبعد جولة الحقيقة معتبرة وثريّة ينحدر بك الماجنتا فتجد نفسك في قناة الجيماب تحاور مستعمرة البطّ ،تطعم الصغار -رغم أن التطعيم محجر قانونيّا - وتلعب مع الكبار وتشاهد القفزات ، ثم تنتظر مرور باخرة لتستمتع بنزولها من القنطرة إلى السراديب المائية الطويلة، علّك تجد فرصة للتجول في مراتعها الفسيحة عاشقا والحبُّ يكاد يقفز من العيون .
وفي محضر حديثنا عن الحُبّ غنّت "إديت بياف" في آخر حياتها - وهي كما نعلم فنانة فريدة وغريبة ، غنّت بصوتها" يا ربّي " وهي أغنية طربيّة تناجي فيها الخالق حتّى يعيد لها حبيبها ورفيقها وهو الملاكم الفرنسي من أصول مغربية (الأقدام السوداء) "مارسيل سيدرون " والذي توفي فجأة إثر حادث طائرة، فوق أرخبيل الآكور البرتغالي عام 1949، وتعتبر من آخر أغاني مشوارها القصير قبل رائعة " لا شيء لا شيء لا أندم على شيء ، ظهرت أغنية " يا ربّي » عام 1960، ويقول مقطعها :
يا اِلهي، يا اِلهي ، يا اِلهي !
اتركه لي ...
مرّة أخرى ..قليلا
مُحبّي...
يوم .. يومان .. ثمانية أيّام
اتركه لي ...
مرّة أخرى ..قليلا
لي ..أنا
إلى أن نتحابب
إلي أن نتحاور
إلى أن نصنع الذّكريات
يا اِلهي، آه يا اِلهي ، آه يا اِلهي !
اتركه لي ...
يملأ حياتي ...قليلاً.
مهدي غلاّب / باريس
أحدث أقدم