قصة جديدة للكاتب محفوظ الزعيبي يا دنيا... يا عفاطة

قصة جديدة للكاتب محفوظ الزعيبي 


 يا دنيا... يا عفاطة 




 قصة بقلم : محفوظ الزعيبي 




 كنت في مكتبي أرنو من خلال النافذة الشرقية إلى نتف السحاب المسترسلة في هدوء... يشع ابيضاضها بنور الشمس، ثم تمر وأنا أتابعها لتنأى إلى البعيد... كنت لا أشعر بتحريك ساقي باستمرار كآلة يخضها المحرك وأنا أسند جبيني على كفي ول أكاد أرى الأشياء حولي بدون تركيز وتفكير بناء... يضيق بي المكتب فأتجول ببصري فيه... الكتب هامد على الرفوف متكئة على بعضها بدون نظام، لم تلمسها اناملي منذ شهور ولم أنعم بفتح بعضها ومراجعته... الأقلام حزينة أمامي بين أدوات مكتبية مبعثرة... وفي آخر الركن ألعاب الحفيد حجزتها بقرار تعسفي لأنه أفرط في الضجيج والعبث بها... دراجة صغيرة مخلوعة القطع لم تعد صالحة للركوب، وسيارة معدة للأطفال من –البلاستيك- الأصفر مشتراة من إيطاليا، تعطبت عجلاتها من أول وهلة... جعلتني أكثر حنقا على اقتنائها لما بلغني ثمنها الباهض... فعاتبت الصهر على سخائه بهذه الصورة المجحفة... أصبح سمعي أكثر حساسية وتوترا من الضجيج... وكلما استشعرت عن بعد ثرثرة حفيدي وصياحه المبرح انزعجت واكفهرت أعصابي لأنني لم أعد أتحمل ذلك... فأصبحت أهرع إلى هذا المكتب هروبا من الصراخ والجبلة... ولكن لا مفر من ملاحقته وبحثه عني واكتشافه لي في هذا المخبإ الشبيه بالسجن لكثرة مرابطتي به... فيملأ الدنيا ضجيجا ويطنب في مساءلتي وعرض مطالبه الكثيرة علي بداية من السماح له بركوب الدراجة أو السيارة إلى الاستخفاف بي عندما تفيض الكأس ويرهقني بهذيانه فأنفعل دون مراعاة لحقه علي وهو يردد في كل مرة عبارة – بابا- ويتأملني بصفاء عينيه فأتراجع عن قراراتي وأجد نفسي مرغما على طاعته ومداعبته وكم انصعت إليه مرارا فيتمكن من أذني ويعركهما جيدا ويطوق رقبتي بخيط ويقودني كالدابة وهو في منتهى السعادة والانشراح... ولكنني لم أكن مطمئنا له لأنني اكتويت من جراء عاداته المتمثلة في نهمه الجشع وعشقه المفرط لسرقة أقلامي ودفاتري وتمدده على الأرض في غفلة مني ليعبث فيها فسادا برسم خطوطه المتشابكة وطلامسه المبهمة بإصرار كبير مهما كلفه ذلك وأنا ألتاع حسرة على إتلاف هذه الأوراق والموثقات وهي تلاقي مصيرها المحتوم بدون حيلة تجنبني حدوث مثل هذه الكوارث. وكم هددني بمسدسه الأسود متقمصا دور القاتل لأكون الضحية... واخترت في الأخير أن أوصد الباب من الداخل وأختفي عنه في المكتب... فيلطخ الباب متوسلا ومناديا وأظل خانسا محتجبا حتى لا يتفطن إلي ولا أتنفس الصعداء إلا حين أتيقن من انصرافه وتنائي صوته شيئا فشيئا... وحين ألتقي به أقرأ علامات الغضب مرسومة في وجهه النقي فألاطفه وأغمر قلبه بالحنان ولكنه لم يكن متسامحا معي بكل سهولة، فأصرف وقتا لا يستهان به حتى ينسى موقفي منه ولا يرضى عني إلا باستدراجه لأرسم له الحيوانات وأقص عليه حكايات يطلبها مني ويرغب في الاستماع إليها مرات عديدة... أعرف أن النوم يزحف نحوي يعيد منتصف النهار وكنت في حاجة إليه لأرتخي بعيدا عن هرج الصبيان وطلبات الزوجة وحاجياتها وتذمراتها من منقوصات المنزل وخاصة المطبخ... خرافة قديمة لا نهاية لها وقائمات في ما يلزم من طعام وخضر وفواكه فتراني التظاهر بقبولها ثم أشطب على الكثير منها حسب الضرورة ولكنني لا أرفضها جميعا حتى لا أجلب لنفسي النكد والويلات... إن الدنانير التي في حوزتي لا تكفي لتسديد كل هذه النفقات، والنساء لا يدرين ولا يعذرن إمكانيات الجيوب، وأظل أعد الدراهم وأوزعها وأخبئها فهي أسراري الصغيرة التي لا أبوح بها للمرأة والأطفال... ومن طبيعتي أن لا اجمع النقود مع بعضها فأفرقها على أماكن مختلفة واجتهد في البحث عن مخابئ آمنة لها حتى لا يقع اكتشافها من طرف الغير فيكون مصيرها التبديد... وكم أتبرم من الضائقة والتظاهر بالإفلاس لأجلب لنفسي ولو قليلا من الرحمة والشفقة، ولكن هذا الإجراء لا يدوم طويلا فتتبخر الأمنيات بمجرد مرض أحد الأفراد أو الالتزام ببعض المصاريف الضرورية فينهار صرح الأحلام وتخرج النقود مقهورة رغم أنفها وقلتها وتذهب بدون رجعة... وكثيرا ما أشعر بالخوف من فراغ ذات اليد لأن الحياة غادرة وصكاتها شديدة.. إن النوم أصبح يزورني في كل قيلولة فأستقبله بشيء من الفتور لأنه بمجرد الانغماس فيه أستفيق منتفضا على نداء – الحمروني الكسيح – وهو يزعق : "بريك.. بريك.. دياري.. دياري" فأثب واقفا حتى لا يستمر في قرع الباب بعصاه المرهبة... وأكون حريصا على التأدب مع – الحمروني- وتقبل مزاحه الحاد... سبحان الله ! أين تسكن الروح في هذا المخلوق من حجم الوزة ؟ هذا الجني الصغير الذي لا يكاد رأسه يبرز من الكرسي المتحرك لضآلته.. قال لي بتهكم : البريك مصنوع من السمن وطحين القمح... هات الفلوس كلها... قلت له بدعابة وابتسامة طفيفة : - فلوس ! أي فلوس تتحدث عنها ؟؟ صحيح حين تمدح عجينك .. إنها علامة -الحمروني- المسجلة في مصنعك لإعداد العجين.. ثم انحنيت عليه وبإمكاني خطفه من العربة بيد واحدة.. فصاح كفرخ البط : - لا أقصد شيئا.. إنني أعول عليك.. يا عم.. لمساعدتي على الزواج.. لقد خطبت بنت الناس وسأملك نصف ديني عن قريب.. وكدت أطلق صيحة مدوية، وخاطبته بعد أن استرجعت أنفاسي.. وأطفأت نيراني : - هل أنت جاد في كلامك يا – الحمروني-.. أبهذه لبساطة والسهولة... كيف لهذا – الفلوس – أن يتزوج ؟ فأخرج قهقهات من صدره الضئيل الناتئ كادت تفجره.. وحرك ساقين ضامرتين من داخل الأدباش المكدسة عليه وتلهى بمعالجة مذياع كلن يحمله معه ليسمعني مقاطع من أغاني – فاطمة بوساحة – وعرض علي بعض المبيعات التافهة المحشوة في جيوب عربته الصغيرة.. ثم عاد بي للحدث عن استعداده للزواج بعزم وجد، وسرح بي التفكير إلى مجالات أخرى وأنا لا أصدق.. ولم يبارح المكان إلا بعد تصريف بضاعته كما شاء وأملى علي ملاوما بطريقته الماكرة، ولم أزل في بهتتي وشرودي حتى تناهى إلي لطخه لأبواب الجيران وزعيقه المخلوط بأغانيه المبحوحة المتماوجة.. "بريك.. دياري.. دياري"، هيا قوموا تسحروا... مسكين – الحمروني – ولكنه يبدو سعيدا مبتهجا بالحياة.. مليئا بالآمال.. يضحك للدنيا ويسخر من نكدها وبؤسها... وهنا أنا أعود إلى ما يجري ويدور حولي.. صراصير الشجر لا تكف محركاتها عن الطنين.. إنها حشرات عنيدة.. تظل مستميتة في زعيقها بكل إصرار ولا تخمد إلا إذا داهمها الخطر وبمجرد الاطمئنان المؤقت حتى تستأنف أزيزها فتطرد النوم من عيني.. كأنني أسمع طقطقات تقترب شيئا فشيئا تئز من العربة العجوز لعلي العيدودي هذا وقت مجيئه.. لقد عودني بمروره في كل قائلة ملتمسا الماء البارد والمكمن الظليل، ولا بأس من تناول الغداء وارتشاف دلاعة برمتها.. سيحدثني كما كان يفعل عن طيوره وأرانبه، وعن أخبار القرية، وعن طباع الناس وعن إطعام الأتان وادخار العلف.. ثم يمسك بإناء الماء، وعيناه مستقرتان في اتجاه أرنبة أنفه كأنه يتذكر شيئا.. وتنفلت منه ضحكة مبهمة وهو يحرك رأسه، وأنا أنتظر أن يفصح بما يجيش في صدره ولكنه يراوغ، ثم يفتح بيننا سوقا لبيع الدجاج والبيض العربي وتبدأ الصفقات.. وبعد لأي تستقر الأسعار. ويتم الاتفاق بعد تنازلي وقبولي لبعض شروطه ومساوماته... -علي العيدودي – عانق مهنة الحوذية وذاب كمدا فيها.. وتقوس ظهره من جراء الإطناب في الركوب والاسترخاء عند قيادة – الكريطة - .. لم يتخلّ عنها كما فعل أغلب القرويين بحكم تغيرات الزمن .. وكيفها على مزاجه فأصبحت تدر عليه أرباحا معقولة يواجه بها غائلة الدهر.. فيعود كل مساء بأكوام الحشيش لخرفانه السمينة.. وهو واثق أن السيارات ستتهافت عليه قبيل عيد الأضحى.. وسيملأ فضاءات الحقول التي حوله بالضحك ومدح إنتاجه بين رفض وقبول، وغضب ورضا.. وسيتقبل حزم الأوراق الذابحة بأصابع مصبوغة بأثر التراب الأسود وخضرة الحيشيش وغير فالحة في العد ولا تتعامل معها بخفة وحذق.. أقسم بالأولياء الصالحين أنه سيقيم احتفالا عظيما بمناسبة ختان ابنه وأنه سينفق كل ما جمعه من مال طيلة سنوات عديدة.. ولكنه لا يدرك أنه سيعود إلى نقطة الصفر.. ويدخل الإفلاس من باب حوشه ويستقر في بيته.. هناك خط تماس بيننا حين يلج بي إلى دنياه العجيبة البسيطة فيعيدني إلى طفولتي المغمورة بالسعادة ويلج بي إلى الزمن الحلو من الصبا بفلاحيه وشجره وماشيته.. بحبه الجميل وبكل ما يتجلى من مظاهر ومعاني الحياة الوديعة الهادئة.. ولكن هناك أيضا خطوط حمراء بيننا لا نقترب منها، بل لا يشاركني في هموم هذا الزمن وقلقه ومآسيه وضغطه الشديد، فقد اختزل عامله للعيش في دنيا الحقل وأحضان القرية يعمل ويعلف ويتسل... مرددا مثله الشائع : -دار الخلاء تبيع اللفت – وكنت في خاتمة كل لقاء به أصافحه وأضرب على كفه وأنا أملأ عيني مليا من وجهة المسرور قائلا بتنهيدة منتزعة من الأعماق – صحه ليك يا علي العيدودي .. أغرم زمانك.. – فيقابلني بابتسامة مريحة ومرضية قبل أن ينده الدابة المصرة على القضم ونتش النبات... - الظريف – الحوات المتجول على دراجة الخردة المنسلة ذات الضجيج الجاد والدخان المنفوث من أمعائها المفرية يلغط عاليا : "حوت.. حوت.." يهجم علي كل يوم في مثل هذا الوقت جاهدا قدميه لتدوير الدواستين وحفز المحرك المتعب المبحوح... فاستقبله ببرودة وهو يشير إلى الصندوق الذي وراءه مزيحا الخرقة والثلج.. ويدعوني لتقليب البضاعة والتمعن فيها.. فأظل مرتخيا وغير راغب في معاينتها ولا أبذل أي جهد في سبيل الاقتراب منها لان – الشوشة – كادت توصلني ذات مرة إلى القبر.. وأصبحت أبغض هذا النوع من السمك المخدر ولا أستعد للدغ مرة ثانية وتكرار مثل هذه المغامرة.. - شوشة – كالعادة.. - لا هذه شلبة !! - العب كما شئت بالأسماء... والأشياء هي نفسها... فابتسم باحتيال.. وحك شحمة أذنه.. محركا جسمه الضئيل داخل جمازته الفضفاضة وهو يمدح ويطنب مرددا بصوت أجش ركيك... - "الشلبة ومية العنية-.. قلت له بقلق ممض : - يا – ظريف- لا تخدعني مرة أخرى.. ايت غدا بسمك جيد حتى أشتري منك... أجابني بثقل وبلادة : - السلعة غالية.. اشتعلت هذه الأيام... مسكين الزوالي... كان عجبك وإلا كسر قرنك ! فأجبته ساخطا : - ليس هذا هو الحل... وغربت عنه تاركا إياه منهمكا في شد الصندوق ورش الثلج على السمك اللماع... وأنا أمضغ تلك العبارة : "كان عجبك وإلا كسر قرنك... تفوه !!". ما زال رأس الشهر بعيدا والمرتب لم يعد كافيا، لقد تواتر بتره عديد المرات : قرض من البنك وآخر من جمعية – إندا- إضافة إلى صكوك أخرى مرهونة بدون رصيد... لم تبق سوى دراهم معدودات لا تفي بالحاجة... والعين بصيرة واليد قصيرة.. أصبحت أتحاشى اللقاء مع – معاوية الجزار – و – بوقرة الخياط – و – سلومة العطار– و – مراد – بائع مواد البناء.. تنانير جهنم فتحت أبوابها من كل حدب وصوب، واكتويت من ارتفاع فاتورة الماء وسعير بطاقة الكهرباء وضاقت بي الأرض ونأت الحلول وتبخرت الآمال واسودت الدنيا في وجهي.. كيف سأهنأ وأنام ومن أين سيأتيني الضحك ؟ يا حسرة على السعادة، ويا أسفي على ماض لم أعرف فيه النكد والأشجان.. إيه على تلك الأيام الخضراء الزاهية الخالية من الهموم وعذاب التفكير.. يا الله !! كيف تغيرت الأمور بهذا الشكل.. لماذا اشترى الإنسان لنفسه هذا التعب والشقاء.. أي مأساة وأي جحيم... في الحانوت لم أعد أشعر بالراحة أمام هذه الخلائق الممسوخة المشوهة.. وهذه الوجوه الغريبة الجدباء.. وأصحاب النظارات السوداء المطموسة الرهيبة، والصدور العريانة المتوحشة، وأوشمة الزنود المقرفة.. والأوراك المفضوحة، والعراء المقزز.. وعربدة – الفورزا- وجنونها.. وخدش الحياء.. لا تحيات ولا هدوء ولا احترام وحسن خطاب.. لغة مبهمة وبذيئة ومشحونة بالحقد وتصفية الحسابات، وألقاب مستوردة من قاموس الإجرام والرذيلة.. – المدمر – الطانقو – الدنفير – الكلاش.." وأسماء أخرى كثيرة.. وازداد التهافت على التدخين رغم الترفيع في ثمنه عديد المرات.. وانتشرت – الزطلة - وأصبحت تروج في المقاهي والأزقة.. زحف أسود يكتسح كالطوفان. وغول رهيب يفجع الناس الذين استسلموا للقدر والمصير المجهول.. جاء الخبر العاجل عن معركة بالسيوف والسكاكين داخل – مقهى الشرشور– وهب الناس بالهراوات والسواطير وقد تحولت الحرب لتندلع أمامهم.. فتطايرت الكراسي، وانقلبت الطاولات.. ونزفت الدماء بلا رحمة، والنساء يصرخن ويندبن.ز ولم تخمد المعمعة إلا بقدوم الجيش وإطلاق الرصاص فوق الرؤوس.. صرح أحد الحاضرين أن مثل هذه المعارك أصبحت عادية في كل وقت ويندلع أوارها لأتفه الأسباب.. فمن أجل سيجارة أو – شيشة – أو حوار تافه عن الأحزاب يمكن أن تزهق الأرواح وتخمد الأنفاس.. شعرت بالخوف الشديد ولم أقبل وأقتنع بهذا التحول البائس الذي آلت إليه الأمور بهذه الصورة.. ولكن لم أكن متشائما إلى أبعد الحدود.. لا بد من شيء من الأمل.. ومن نافذة مفتوحة للمحبة والنور.. جلست أمام التلفاز لأتلمس آخر الأخبار ففوجئت بما لا يسرني.. الحرب في – سوريا- مدمرة ومهولة.. تذكرت – حلب– الشهباء والأيام الجميلة التي عشتها فيها، رأيت القلعة والسوق القديمة وشارع المتنبي وسيف الدولة والفارابي تتحول أجزاء منها إلى ركام ويتعالى في سمائها الدخان.. لم أقدر على المشاهدة ولم أصمد أمام مظاهر الدمار والخراب.. أين أمجاد الشام وصولات سيف الدولة وحمايته لثغور العرب من هجمات الروم وإلحاق الهزائم بالدمستق.. وقد سجل المتنبي هذه الانتصارات والبطولات وهو يترنم بها. بناها فأعلى والقنا يقرع القنــا وموج المنايا حولها متلاطم وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم شتان بها مثل الأمس واليوم.. بين أمجاد الأجداد وضياع الأحفاد..الموت في الشوارع.. والرعب في العيون والوجوه الكئيبة.. اقتتال الإخوة من أبناء الوطن الواحد يدمي القلوب ويولد الوجائع.. خسارة لا تعوض.. والناس غائبون عن كل شيء وينسون كل شيء ويغرقون في أوحال الفقر والضعف والجهالة.. أقفلت التلفاز لأنني لم أجد ما يثلج صدري وما يريح أعصابي.. تفاهات البرامج والمواد المقدمة والحوارات المشحونة بالبغضاء والكراهية وسفاهة الرأي تزعجني وتدمرني فلم اعد أتحمل الفرجة، وقررت أن أودعها مدة طويلة لعلها تعود أيام الصفا فأصحو على وقائع جديدة تخالف ما أراه وأسمعه. ولكن هل يمكن أن أتناسى الصنابير الفارغة من الماء.. الذي انقطع أكثر من نصف شهر، وكيف اقتنع بمحاضرات وشروح المسؤولين عن هذه السخطة التي حلت بنا وأنا كغيري نعيش الوضعية المزرية للدورات المائية وذبول شجر الحدائق وجفاف الأرض.. كيف أعذر هؤلاء المغالطين الذي تنصلوا من كل مسؤولية ورموا الكرة في شباك الآخرين.. كيف أتقبل انقطاع الكهرباء عديد المرات في اليوم الواحد ويحدث ما يحدث من احتراق المحركات وعطب الأجهزة وفساد المثلجات لأسباب واهية وأراجيف لا تمت للحقيقة بصلة.. بكيت على الضمير وأبنته بكلمات مريرة ورثيته بخطاب حزين.. زارني – التابعي – ومكث عندي إلى آخر الليل وهو يجادلني عن اللحية التي رباها وظهرت على وجهه وألقي علي محاضرات طويلة وثقيلة عن أنواع اللحي وعن السنة.. وكان الجدل عقيما بيننا ولم يحقق تقدما أو نتيجة فوضعت حدا للحوار عن اللحية لأنه استهلك وقتا فارغا وطويلا بدون أي فائدة.. وظل – التابعي – طوال السهرة يخاطب مكلميه عن طريق – الجوال – وهو يضرب المواعيد تلو الأخرى وينسق معهم اللقاءات والاجتماعات ويشير علي بالسكوت رافعا كفه في وجهي لألتزم بالصمت حتى يتفرغ لأحاديثه المملة التعيسة.. وعلى حين غرة جاءنا – بوسعدة – في عجالة، حاملا خبرا أسود كوجهه المزفت في تلك الليلة المشؤومة.. الحمد لله أن اسمه – بوسعدة - فلو كان يحمل اسما آخر لأطبق علينا السماء... ارتفع العويل إلى أن أصبح قريبا منا.. كان العرق ينز من وجه – بوسعدة - وقد زرقت عيناه، وجف ريقه واستعصى عليه الكلام وهو يدعونا للإسراع والنجدة... فهرعنا دون أن نعرف السبب.. ولما انجلى الخبر عادت إلينا أنفاسنا.. كانت أرملة – الكلابي- منطرحة على الأرض تشد خصرها وهي تتلوى من وجع المصيبة.. وتندب حظها.. ماذا حدث لها.. هل تذكرت –الكلابي- وأيامها معه.. أم حدث شيء آخر.. رأيت الدار مخلوعة.. خاوية.. لقد أتى الصوص على كل ما فيها.. ولم يتركوا لها سوى القاع.. الله !! كيف حدث ذلك ؟ قالوا أن أرملة –الكلابي- كانت ساهرة عند الجيران لما داهموا البيت وحملوا كل متاع بما في ذلك جهاز ابنتها العزباء.. يا – بوسعدة - يا صاحب الأخبار النكداء.. يا منغص الأجواء.. يا – ابن الحلوفة-.. يا نذل ! إخسأ يا ملعون.. ماذا حدث للقرية هذه الأيام.. فالسرقة لم تعد تحدث إلا في الليل.. لقد أصبحت في وضح النهار أيضا.. ألم يهاجموا بيت – صطوفة – وسرقوا خرفانه.. وهو يشخر في القيلولة.. وسيارة – بوزيد – التي ذابت كالملح أمام الحانوت بمجرد أن نزل منها لاقتناء بعض حاجاته.. ألم يتعرض بعد ذلك إلى مساومات لدفع الملايين حتى يسترد شاحنته الجديدة.. لقد حدث مثل هذا أمام أعين الجميع وانتشرت العصابات في كل المداشر والمدن وأصبح نشاطها سافرا بدون رادع أو قانون.. ونامت أعين النواصير وحل البلاء.. لك الله يا – أرملة الكلابي – رحل زوجك حاملا معه أوجاع علة انتابته بشراسة لم يفلح الأطباء في الانتصار عليها ومعالجتها.. وانتفخ بطنه حتى أصبح لا يرى غير الأورام وهي تتكور أمام عينيه الغارقتين في ظلام اليأس والغبن والأحزان ولم تسلم داره بعد توديعه وتشييعه إلى المثوى الأخير من النهب والشماتة.. التقيت بصديقي – مهدي- كان عابسا حزينا.. سألته عن – المتشي بيتشي – فلم يقدر على الإجابة .. وظلت أنفاسه محبوسة في داخله وغير قادر على إخراجها.. يا حسرة على سيارة – المهدي – ولمعانها ونضارتها ومواصفاتها الحديثة.. وطفرت الدموع من شدة التأثر ثم خلاني وذهب متأججا.. فهمت من غمغمته أن شاحنة الأربعين مليونا تبخرت في لحظات.. ولما تفطن متأخرا هرول المسكن بين الباعة في غمرة الزحام.. ولكن هيهات وفي مخفر الشرطة سجل الحادثة ضد مجهول.. كان رئيس المخفر قد عبأ الكرسي بجثته الضخمة، وهو لا يكاد يرفع رأسه مما علق في عنقه من لحم وشحم، يفرك جفنيه المطاطيين في قلق واسترخاء.. فقد تراكمت أحداث السرقات على مكتبه وليس بوسعه أن يفعل شيئا.. كبلته القوانين الجديدة والإجراءات المعقدة.. خبأ وجهه بين كفيه المكتنزتين وأطلق تنهيدة كادت تدمر السقف وزفر مقهورا من شدة الغلبة : تبكي أمهم ولا تبكي أمي.. وكان يرفع رأسه ببطء ويفرك يديه.. ثم رمق المهدي بنظرات واسعة وملتهبة قائلا : - عليك بـ -الكلاش- سيحل مشكلتك.. هو أدرى باللصوص والصعاليك.. وصعق - المهدي – وكاد ينهار.. وقال بصعوبة وألم : - "الكلاش – بائع الخمور يحل مشكلتي !! لا .. أنا لست قادرا على دفع الملايين مقابل وساطته.. ثم سادت فترة صمت .. ولما يئس غادر المخفر غائما تمزقه نصال المصيبة ثم رفع يديه إلى السماء والدموع تنسكب من عينيه.. كانت الأحاديث التي تدور بين الناس حول ارتفاع أثمان اللحم. فالذي يشعر بالقرم يمر أمام دكان الجزار ولا يجد حيلة للاشتراء... وعزت الأسماك عن الفقراء كلما تأمولها ونظروا إليها بحسرة.. ارتفعت الأسعار المجنونة ولم يعد المزارعون متحمسين لتربية المواشي لتفاقم السرقات بدون أن تظهر حقوقهم.. ... التقيت بـ -لزهر بوكانزة – فأجهش بالبكاء لاطخا جبينه على مقود الجرار وقال بغصة مريرة : - هذا آخر عهد بيني وبينه.. لم أعد قادرا على إصلاحه وتزويده بالوقود.. سأتخلى عن السانية وسأغادر البلاد وأغامر بحرقة إلى إيطاليا... بقيت واجما كالتمثال ولا أجد جوابا .. إذا كان هذا مصير – لزهر بوكانزة – جمل الردة فماذا أقول عن الآخرين... ثم أطلقت قهقهات مدوية تسلقت إلى أعالي السماء متجاوبة فوق السحاب : - إيه يا دنيا .. يا عفاطة !!.
أحدث أقدم