مقامة الثعبان: لما اختل الميزان...حضر الثعبان بقلم كمال الشطي

في ادب المقامات


مقامة الثعبان: لما اختل الميزان...حضر الثعبان



بقلم كمال الشطي



حدثنا أحدهم، وكان أصدقهم ،قال:
أغلق في هذا الربيع موسم الصيد، فطفق أبو الفتح يلعن كل قيد، وبادر إلى البندقية يفككها، وإلى السبطانة ينظفها ، وإلى اللوالب والمفاصل يزيتها .
وأقسم بالربيع ، وكل جميل وبديع، ليهجرن في هذا الفصل الصيد المألوف إلى الصيد في القيلولة والهزيع.
أخرج أبو الفتح الشويهات ، عندما اشتدت الهاجرة وخيم السبات ، وتحولت الحصيات إلى جمرات ، وانحنت النباتات ، وتخلت الطيور عن البحث عن الأقوات ، وانغرست في الرمال الأفاعي والحيات ،كامنة لأي طير تسوقه الأقدار، فيحط حولها توقيا من حر النهار .
واصل أبو الفتح الطريق في اتجاه الوهاد بحثا عن أيكة تحمي الشويهات عندما تتفتت الأكباد، ويكون الحر في اشتداد .
وعثر بعد لأي على أيكة في أعلى الجبل،متعممة بالسحاب تقطر أوراقها من شدة البلل،وتختبئ فيها الخفافيش الليلية لما يسود الوجل.
فاتخذ من هذه الأكمة برجا لمراقبة الأودية والسهول، حيث تنتشر حقول القمح ومزارع البقول، وتتيسر الرؤية عند الشروق وعند الأفول
وطفق يلوك اللبان، ويتأمل الغيد الحسان، يسبحن في البرك ويتفسحن في الجنان .
فكر صاحبنا واستفتى الميزان ، فقر قراره على فعل حيلة لا تخطر في بال إنسان، تنسيه الفاقة والحرمان، ويجري ذكرها على كل لسان ، فتؤرخها كتب الأدب ومقامات البيان.
فانطلق ينط فوق الأغصان والأفنان،في اتجاه جماعة من المستحمين، حطوا رحالهم على ضفة الوادي منذ الصباح ، وهم في هرج وصياح، يتمايلون من شدة السكر كالقصب في مهب الرياح .
فبادر إلى الجحور ينبشها ، وإلى الأحجار يرفعها، وإلى الرمال يربشها، باحثا عن حية أو ثعبان ، مُمنيا النفس بفرصة قلما يجود بها اللسان ، تملأ الجيوب وتكشف عن الأسنان ، فترفعه بين الخلان، في زمن اختلت فيه مكاييل العقل والميزان .
استبشر أبو الفتح بفزع أبدته الشياه، وطفق يقتفي بكل انتباه ، خطوطا ملتوية كالحبال ، تختفي تارة وتعلو أخرى صفحة الرمال، ممنيا النفس بسرعة المنال.
وأوصلته القيافة إلى جحر يربوع مندثر، فأدرك بالبديهة أن الحنش فيه مستتر، بعدما اليربوع في بطنه استقر.
سد أبو الفتح الجحر مانعا عن صاحبه النجاة والمفر، وجلب من الأكمة خيوطا وإبر، وصفيحة ماء منهمر،ثم سكب في لمح البصر، الماء في الجحر بكل إقدام ووتر.
فلاحت من الجحر عينان لهما بريق وشرر، تجران حبلا يتلوى يمنة ويسرة فلا ينكسر، و يتلولب استعدادا للنهش والكر.
عالج أبو الفتح الثعبان بكف كخف البقر، ومسكه من ذنبه بسرعة واقتدار، وحوله إلى مدار.
يرفعه إلى السماء طورا ويضرب الأرض بدماغه أطوار(ا)، إلى أن بدت عليه علامات الاستسلام والانهيار، فخاط له الأنياب واللسان، ثم رماه فوق مقود سيارة المستحمين وعاد إلى مخبئه يتنصت أخبار الرياح .
أنهى أحد المستحمين السباحة وغادر البركة يريد السيارة فتملكه لما أدركها الفزع ، واصفر وجهه من الهلع، وطفق يترنح كالمخمور، يتعثر ويدور، وينادي ”النجدة”.النجدة.. "أو سكورAU SECOURS…..AU SECOURS
قال أبو الفتح :
غادرت حينئذ مكمني متظاهرا بالحمق والغفلة، بعدما سقيت هؤلاء العلقم والدفلى.. واتجهت نحوهم أستطلع الأخبار، لاعنا الثعابين التي تتجاسر على المستحمين في وضح النهار.
وأشرت إليهم :
أن أطلقوا على الثعبان النار، قبل أن يلوذ بالفرار ، ويختبئ تحت الأشجار، فيلدغ أحدكم بناب حاد كالمسمار، فيموت ميتة الفار، في غياهب هذه القفار.
فزادت إشاراتي البكماء من فزعهم،وسادهم الوجوم والنواح، وتقدموا نحوي مشيرين أن أنقذنا من هذه البلية، التي لا تعادلها عندنا رزية، والتي تنذر بالويل والمنية .
فأشرت إليهم : أن لا .
فتعالى بكاؤهم وتفاقم نواحهم، وتنامى صياحهم ، عارضين علي نقودهم وهداياهم وأمتعهم .
فتظاهرت بعد لأي بقبول الطلب ، واضعا في قفة مؤونتي كل ما عرضوه من هدايا ولفافات وعلب، مدركا أن العقل لديهم سُلِب .
وتقدمت مثل عنترة في غابر الزمان ، أخطو نحو السيارة متظاهرا بالحذر والاتزان ، ثم وثبت على الثعبان ، الذي سبق أن خِطت له الفم واللسان ، ورفعته، وعلى الأرض طرحته، فصرعته.
فبادر المستحمون إلى صيحات الاستحسان، ورفعوني على الأعناق مثلما هو الشان، عند تكريم البطل والفنان ، وغمروني بالدنانير واليورو والدولارات والليرات الحسان، بينما طفقت آلات التصوير تسجل مغامرتي الوهمية مع الثعبان، لنشرها في شريط يفتقد العنوان ، وتتضادد فيه الألوان ..فهذا شبعان ، والآخر جوعان ، والثالث عريان ، والرابع يقاسي الجهل والحرمان، فيتحالف مع أي حنش أو ثعبان.
أحدث أقدم