يوم السيّدة بهيجة قصة قصيرة بقلم الكاتبة سعاد الفقي بوصرصار

يوم    السيّدة  بهيجة 
قصة قصيرة بقلم الكاتبة سعاد الفقي بوصرصار






 السيدة بهيجة معلّمة متقاعدة خريجة مدارس الترشيح معتدّة بنفسها فخورة بتكوينها. كثيرا ما كانت تردّد بإعتزاز وبلغة فرنسية "أنا ترشيحيّة". Je suis normalienneـــ خاصة عندما تثار أمامها مسائل تربويّة حديثة ولا يعجبها تعاطي المربّين معها. ترمّلت باكرا وكان عليها أن تقوم على ولاية أبنائها الأربعة. فتحمّلت المسؤولية بإخلاص حتى نالوا الشهائد وتزوّجوا واستقلّوا بحياتهم. السيّدة بهيجة تعيش في فيلتها المتواضعة وحيدة. رفضت الابتعاد عن العشّ الذي ساهمت في بنائه مع شريك العمر وفيه ربّت ابناءها ولها في كلّ ركن من أركانه ذكرى. رفضت الابتعاد عن أثاثها ومطبخها وحديقتها وشجيراتها والعيش مع أحد أبنائها. هي تحسّ أنّها ملكة في بيتها وتستطيب حياتها الوادعة فيه وتتولّى كلّ شؤونها فيه بعزيمة من حديد. استيقظت صباحا كالعادة. أفطرت في هدوء وهي تستمتع بأغاني فيروز ثم استمعت إلى النشرة الجويّة ونشرة الأخبار وقالت تحدّث نفسها: ـــ عليّ أن أذهب الى مكتب البريد لأسحب الشهرية وأمرّ على شركة توزيع المياه لأسدّد الفاتورة. حريصة السيّدة بهيجة على أن تكون مواطنة صالحة تقوم بواجباتها مقابل ما تنتفع به من حقوق. أخذت الفاتورة لتقرأ ما هو المبلغ وبحثت عن نظارتها: ـــ أين تركتها؟ نظرت حولها فوق الخزانة فوق الثلاجة لم تجدها. غادرت المطبخ. ـــ قد تكون في قاعة الجلوس لعلّيَ وضعتها هناك قرب التلفاز البارحة. راعها تراكم الغبار على أثاث القاعة التي غمرتها شمس الصباح وخاصة فوق التلفاز أثناء البحث. عادت إلى المطبخ. أحضرت خرقة وأزالت الغبار أعادت الخرقة إلى مكانها وعادت تبحث عن النظارات. في الأثناء رنّ جرس الهاتف أسرعت ترفع السمّاعة: ـــ هذا حمدي... صدق حدسُها. هو ابنها يسأل عنها كعادته يوميّا. وجدت النظارة قرب الهاتف وضعتها على عينيها وعادت إلى المطبخ تبحث عن الفاتورة: ـــ أين وضعتُها؟ كانت في يدي ربما أخذتها معي... لم تجدها. دخلت الصالون لاحظت رائحة زنقة أفرزها جلد أرائك الصالون الذي لم يفتح منذ مدة. فتحت الشرفة ليتجدّد الهواء نظرت في حنوّ إلى أصص نباتاتها العطشى عادت إلى المطبخ وأحضرت ماء وسقت النباتات أغلقت الشرفة وعادت تبحث عن الفاتورة. ـــ عليّ أن أذهب باكرا حتى لا اضطر إلى الانتظار طويلا في مكتب البريد. أخذت مفاتيح السيارة التي تحرص على تعليقها في لوحة قرب الباب وهمّت بمغادرة البيت. تفطّنتْ أنّها لم تلبس معطفها. فتحت خزانة ملابسها وخطر لها أن تلبس طاقمها البنيّ، فالطقس لم يعد شديد البرودة. غيّرت ملابسها وسوّت شعرها واطمأنت إلى هيأتها تأبطت حقيبتها وتوجهت إلى الباب. ـــ أين المفاتيح؟ مفاتيح السيّارة والفيلا كانت بيدي. عادت إلى غرفة نومها بحثت على المنضدة فتحت الدولاب من جديد نظرت تحت الفراش فتّشت في حقيبتها فوجدت الفاتورة ولم تجد المفاتيح. ـــ لعلها في المطبخ؟ في طريقها إلى المطبخ رأت المفاتيح فوق منضدة صغيرة بجانب المزهرية. التقطت المفاتيح في لهفة فارتجت[eb1] المنضدة وسقطت المزهرية وتكسّرت. فاندلق الماء على الزهور التي افترشت الأرضية. أحضرت خرقة و رفشا وشرعت تجمّع البللّور المكسور وتنشّف الماء قبل أن يتوزّع ويتسرّب تحت الزربية. رأت دما يسيل من إصبعها[eb2] . تركت كلّ شيء وضغطت على الجرح النازف صبّت عليه كحو[eb3] لا ثمّ لفّته في قطعة شاش وعادت تنشّف الماء وتنظّف المكان وتتحسّر على مزهريتها. ـــ تأخّرتُ... عليّ أن أخرج الآن. أغلقت الباب خلفها وتوجّهتالى مستودع السيّارة قبل أن تركبها تفقّدت هاتفها الجوّال بحثت عنه في حقيبة يدها ولم تجده. تذكّرت أنّها وضعته مكان الشحن. عادت أدراجها لتحضره وهي تقول في نفسها: ـــ قد يطلبني أحد أبنائي ويقلق أذا لم أردّ عليه. عندما دخلت من الباب الخلفي اشتمّت رائحة كريهة. ـــ هذه رائحة الزبالة فيها بقايا سمك من فطور البارحة لابدّ أن أخرجها. أخذت كيس الزبالة وتوجهّتْ به نحو الباب الخارجي للحديقة حيث تعوّدت وضعه في انتظار رفعه من أعوان البلدية تبعتها القطة وهي تموء. لاحظت أن إناء الماء الذي تشرب منه فارغا. وضعت الكيس وهرولت تحضر الماء وهي تقول في نفسها: ـــ دخلت امرأة الناّر من أجل قطة... بعثرت القطة ما في الكيس باحثة عن بقايا السمك. غضبت السيدّة بهيجة وأحضرت مكنسة وجمعت الزبالة وأحكمت غلق الكيس. عادت المنزل لتحضر الهاتف وتوجهت مسرعة إلى السيارة. اعترضتها جارتها حسيبة وسألتها عن الشاش الذي يلفّ إصبعها. أخبرتها بإيجاز وهمّت أن تدوس على المحرك لتنطلق السيارة إلاإن حسيبة استوقفتها محذّرة: ـــ لابدّ أن تستعملي حقنة ضد الكزاز. منذ متى لم تلقحي؟ قد يكون البللور مؤذيا. توجهتْ السيدة بهيجة إلى أقرب صيدلية وفي طريقها تساءلت: ـــ هل يكفي ما معي من المال ثمنا للدواء؟ لعلّه من الأفضل أن أذهب إلى مركز البريد أوّلا غيّرت وجهتها. لمّا وصلت لم تجد مكانا لتركن سيارتها فيه. بقيت تدور في الأنهج والساحات القريبة إلى أن تحصلت على مركن. أسرعت إلى مكتب البريد فقال لها العون: ـــ أغلقنا سيدتي. انتهت الحصّة الصباحيّة. عودي في المساء. لم تصدّق. نظرت في ساعة معصمها فإذا الساعة تجاوزت الواحدة. عادت أدراجها. لم تسحب المال. لم تسدّد ثمن فاتورة الماء. لم تذهب إلى الصيدلية لشراء الدواء. كانت تشعر بتعب كبير. أوقفت سيارتها أمام باب الفيلا وارتمت على أوّل مقعد صادفها في البهو.


 تونس في 15 مارس 2018
أحدث أقدم