الموعد الحاسم// قصة بقلم سلمى العطي الطرابلسي


مساهمات


 الموعد الحاسم



قصة قصيرة بقلم سلمى العطي  الطرابلسي




كانت السّاعة تُشارف على الرّابعة مساء حين رنّ جرس الهاتف، التقطت آمال السماعة  بلهفة. كان الصّوت القادم عبر الهاتف منقطعا لم تقدر على سماع كلّ الخبر، بضع كلمات كانت كافية لتعرف أنّ الموعد قد حُدّد يوم الخميس العاشرة صباحا. هو موعد مهمّ تنتظره منذ شهور. كانت من أولى المتخرّجات من كلية الصّحافة بعد الاستقلال. جيل جديد طموح ينتظر مجدا منشودا.  وآمال واحدة من أفراد هذا الجيل الباحث عن الانعتاق. يلزمها فقط صفحات بيضاء لتخطّ فيها مداد أفكارها ورؤاها.
مرّت الأيام اللاحقة للاتصال برتابة غير معهودة، صار يوم الخميس هاجسها الوحيد، حتّى إذا أقبل استقبلته كاستقبال الأم لحضن الوليد. نهضت باكرا لتتجمّل وتتأنّق. غادرت البيت على عجل، دون أن تكمل  شرب قهوتها ..بضع قطرات سقطت  القدح على أوراقها، ابتسمت رغم ذلك، وتذكّرت قول جدّتها بأنّه فأل طيّب حسن.  صعدت الحافلة وبقيت تتأمّل عبر البلّور وجوه النّاس والنّسوة على الأخصّ..لم تشأ آمال أن تكتم صوتها أبدا، كانت دائما تغرّد خارج السّرب، هي الوحيدة من قريباتها تمسّكت بحبل العلم وتشبثّت به حتّى النّهاية بإصرار وعزم وألم أحيانا. وبعد تخرّجها بقيت تبحث عن بوّابة سحريّة تقول لها افتح يا سمسم فتنفتح أمامها حدود العالم والنّص وتكتب عن الإنسان، هنا وهناك، في الوطن وأقصى الأرض.
وصلت إلى وجهتها أخيرا، تلاشت ضوابط الزّمان والمكان، لا تذكر شيئا إلا لحظات اللقاء. سألها المشرف على التّوظيف بضع أسئلة بدت لها يسيرة، أجابت عنها بوضوح وثقة دون أيّ ترددّ في القول أو لحن، حتّى إذا بلغ نهاية اللّقاء سألها سؤالا لم تقدر على الإجابة عنه..لم يكن صمتها تلعثما ورهبة بل هو حيرة وتأمّل ونظر. لماذا اخترت هذا الدّرب؟ أتخبره أنّها سئمت لجم الأصوات فقرّرت أن تصير صوتا بلا قيد، أم تحدّثه عن الليالي والسّهاد بغية نحت كيان مختلف..هو سؤال وجودي..يحتاج إلى إجابات لا مجرّد رد...سكتت برهة ثمّ أردفت : أنا..آمال...وآمالي دوما عراض...لا تعرف حدّا..ولا ترهب أحدا...تصنع الرّبيع...بمنأى عن القطيع.. تفرّدا وتمرّدا...
أحدث أقدم