الشاعر الازهر بلوافي يكتب لكم // قنديل الغرباء

قنديل الغُرَباء






 بقلم  الشاعر والباحث الازهر بلوافي


 حَدّثني صديقي أبو سِراج اليَعْرُبِيُّ عن غرائب عصره قال: ذَكَّرني قنديل باب مدينتنا بعادة الأقْدَمين عندما كانوا يُحَصِّنون مُدُنَهم وقُراهُم من مُهاجمة المُغيرين من الأعداء فتراهم يَثَبِّتون سُرُجًا مشتعلةً طوال اللّيل يكون ضَوْؤُها مُسَلَّطًا على خارج الأسوار ليُراقبوا الخطر الدّاهم ولا يهمّ مُلوكَها وَسادَتَها إن كان مَنْ بالدّاخل من مُتساكنيها وتُجّارها يعيشون في ظلام دامِسٍ وَعيشَةٍ ضَنْكٍ . قال أبو سِراج: وَأصاب الزَّمَنَ القِدَمُ وتغيَّرَتِ المفاهيمُ والقِيَمُ فَحَافَظَ سادَةُ مُدُنِنا على قيمة الظَّلام الدّامس على النّاس وغيّروا نَظْرَتَهم واستراتيجيّتَهم على مشكلة الضّوء المـُنير على الخارج وأبدلوه نِعْمَةً على الوافد الغريب ونِقْمَةً على أهل الدّار ، فترى غريبَ الوجه واليد واللّسان مُحاطًا بهالة من التّبجيل والتّقديس والتّقبيل وَتُفْرَشُ له السّجاجيد الحمراء وَتُقَدَّمُ إليه باقات الورد مُرَصَّعَةً بمختلف ألوانها وترى الهدايا النّفيسة على جانبَيْ مَمرِّهِ ، وأمّا على التّصفيق والتّهليل فلا تسأَلْ ، شُعراء وَمدّاحون يتفنّنون في نَظْمِ أطْوَلِ القصائد العصماء وَيَخلعون على ممدوحيهم أحْسَنَ المناقِبِ والذِّكْرَ الحَسنَ بكلّ بلاغة وطلاقة لسان. هؤلاء الغُرباء يدخلون مُدُنَنا مُدَجَّجين بأفتَك أسلحةِ البُغْضِ والإحتقار لنا ، فهم في أعيُن مسؤولينا بَشَرٌ فوق البشر وطاقة لم يَجُدْ بها الدّهر وموهبة فوق ماتَتصَوّر العقول . قال صديقنا: سامح الله مسؤولينا عن الثّقافة كم توسّموا فيَّ الغباء والسّذاجة حتّى ضَحِكْتُ من غبائهم وسذاجَتِهم ! فَكَأَنّي لَمْ أُبْكِتْهم بفصاحتي أربعين عامًا ، وَهُمُ الغَيْرُ مَعْنِيِّين باستهلاك مادّتي الأدبيّة ، أعرفهم جيّدًا ، لا يُفِرّقون بين الحالِ والتّمييز ولا بين المبتدإ والخَبَرِ ، ولا يستطيعون فَهَمَ بَيْتٍ من الشِّعْرِ في الهِجاء ، وهُمُ المُستَهدَفون به ، فتراهم يُصفّقون له مُعجَبين به إعجابَ الإمَّعَةِ في سخافةِ الرّأي وبلادةِ الذِّهنِ . قال صديقي: لَمْ أَبْكِ على نَكَدِ الدَّهر مثلما بَكَيتُ على جَهْلِ هؤلاء ، إذْ ليس لهم هَمٌّ معرفيّ و لاَذائقة أدبيّة أو تفكير سليم يُثْري المشهد الثّقافيّ سوى أنّ الموسم موسمُ جَنيِ أرباح وعَقْدِ صفقات ماليّة صار يعرفها القاصي والدّاني ، فأَتَت جهودُهم الجهنّميّة أُكُلَها فصرنا نحن الغرباءَ في أوطاننا ينظر إلينا بنو جِلدتنا نَظْرةَ احتقار وازدراء وَكَسَدَت أسواق الأدب عندنا فلا يُلْتَفت إلينا حتّى شَكَكنا في صحّة ما نقول وصرنا ننظر إلى خارج الأسوار علّنا نرى وميضَ بَرْقِ سحابٍ خُلَّبٍ يُعوّض لنا ما فاتنا وَحُرِمناه من أنوار تلك القناديل المـُعلّقة في شكل دائريّ والتي أشاحَت بضوئها عنّا فكأنّنا في رَحِمِ ليلٍ بَهيمٍ طال انبلاجُ صباحِهِ على التّائهين في صحراء بلاد المــُتفلسفين والمـُفْلســـين ثقافيًّا. قال أبو سِراج : والغريب أنّ هؤلاء يُوهمون أنفسهم بأنّهم أبدعوا أيّما إبداع وانتقوا برامجَ غاية في الجودة والإتقان واستقدموا كبارَ الأدباء والمحاضرين من كلّ الأصقاع بثمن باهظ ؟ . قال صاحبي : فما لبث مسؤولونا على هذه الحال زَمَنًا ليس بالقصير حتّى تغيّروا مائة وثمانين درجة فاقتلعوا تلك الفوانيس التي كانت تُضيء على الوافد وسلّطوا ضوءَها على الدّاخل ففرحنا وقلنا: لقد دَبَّتْ في ضمائرهم صحوة جذريّة كَفّروا بها ما عَلِقَ بهم في الزّمان الأوّل وهاهُم يستعيدون شهامتَهم، أليسَ خَيْرُ الخَطَّائين هم التّوّابون ؟ وفي ظرف أيّام معدودة أصبحت القناديل التي كانت حكرًا على الغرباء والوافدين تُعْشِي عيون النّاس فاقْتَنَيتُ من فرط فرحي كتاب ( طَوْقُ الْحَمامَة) لابْنِ حَزْم الأندلُسِيّ ، فالتَهَمْتُه في ليلة واحدة وتبعني كثيرٌ من أصحابي فاقتفوا أَثَري بالتّزوُّد من عناوين الكتب من معارض المدينة التي يكسد فيها رواج الكتب وتصبح بساتين العقلاء غصبًا عنها وعن مُنَظِّميها بضاعة غير مرغوب فيها ، ورأيتُ سادتي المسؤولين عن حظوظ الثّقافة يعقدون الإجتماعات تلو الأخرى ويُهَيِّئون أسباب نجاح تظاهرات المدينة بكلّ السُّبُل المــُتاحة من استعدادٍ مادّيٍّ ذي سُيولة مُفرطة وَجُهْدٍ بَدنيٍّ مُدَجَّجٍ بأسطول كبير من السّيّارات الفارهة وحجوزات فُندُقيّة ومطاعِمَ فاخرة . ولمـّا اكتمل المشهد رأيتُ المبدعين يسيرون زُرافاتٍ ووُحدانًا يتفيَّأُون ظلال أشجار الحرّيّة نهارًا ويتنزّهون ليلاً على ضوء أنوار ساطعة دون أن تطولَهُم عناية مسؤولينا أو يَلتفِتُوا إليهم ! فاْحْتَرْنا وسألنا أولي النُّهى عن سبب ذلك وقلنا : ألَمْ تُغَيِّروا ما بكم ؟ قالوا : بَلى. قلنا : فما بالُ هؤلاء الأدباء والشّعراء غُرباء ؟ يومهم كأمْسِهِم ْ؟ ! قالوا: وَجّهنا نحوكم الأضواء حتّى نرى ما تكتبون ونريحكم من الكتابة ليلا تحت جُنح الظّلام ؟ قلنا : ولكنّ الغرباء وزائرينا من خارج السّور سيكتبون في غفلة من فوانيسكم . قالوا: لاحاجة لكم بضيوفنا فنحن خَبِرناهم السّنين الطِّوال فلا يكتبون إلاّ حَسنًا . فالتَفَتُّ إلى صاحبي أبي سِراج وقلت: لقد عشنا الغربة مرّتين وفي فترتين متعاقِبَتين يَمْحُو كلّ منهما بصمات الآخر ، فاشْعِلْ مصباح قلبك الذي لا ينطفيء وَ سِرْ به في هذا اللّيل الألْيَل ولا تَضَعْهُ خَلْفَكَ لِئَلاَّ يَحْجُبَ عنك ظِلُّك طَريقَ السّالكين الذين مرّوا قبلك وتركوا أهل الفوانيس الخدّاعة لأصحابها ويُرْبِكَ عليك التّعرُّفَ واقتِفاءَ أَثَر المسير ، فلملمَ صاحبي أوراقة المتناثرة وفي حَلْقِه غُصّة وقال : كلّ ما تراه يا صاحبي من تهدُّمٍ في بنيان القِيَم السّمحة وكلّ ما تسمعه من سَفَهِ القول ومفرداته في هذه المدينة ليس من فعلي أو فِعلِكَ ولكنّ فَشَلَ البنّائين أحالنا كما تسمع وترى ، فاذهَبْ ويَمِّمْ وِجْهَتَكَ نحو مدينتك الفاضلة ولا تلتفتْ ، فودّعْتُهُ أَسِفًا وغاب عنّي . قال أبو سِراج : ومن الغد بَحَثْتُ عن الفاعلين الثّقافيّين الذين أعْنيهم فلم أعثر لهم على أثر، ووجَدْتُ أشباهَهُم يمرحون جَيْئَةً وذهابًا ويملأون دورَ المدينة صَخَبًا وضجيجًا ويقترفون شعرًا ليس كالشّعر الذي نسمع وأدبًا ليس كالأدب الذي نقرأ ومسرحًا حائرًا تائهًا ليس كالمسرح الذي نريد وأيقَنتُ أنّي غريب الوجه واليد واللّسان في وَطَن الآباء والأجداد.
أحدث أقدم