ورقات باريسية يكتبها للثقافية التونسية من باريس : مهدي غلاّب.

ورقات باريسية



يكتبها للثقافية التونسية من باريس
: مهدي غلاّب.





"سندويتش" الكورونا.





بدأ شهر رمضان الكريم، وحياتنا في اللّيل والنهار يحكمها الحجر . لم نلحظ بباريس تقريبا أي مظهر من مظاهر الاحتفالات باستقبال الشهر الكريم، لا على وجوه الإخوة من الجاليات المسلمة، ولا على شرفات بعض المؤسسات المعنية كما يحدث عادة. وحتى عندما يمرُّ المرء من أمام محلاّت الأكلات العربية والشرقية ب"بالفيل "و"ستالينغراد" وغيرها لا يكاد يشتم رائحة أكلة رمضانية أو تخطف أنفه نسمة حلويات تطير في الهواء ، حتّى لا يصدّق نفسه .. أصلا ..أضف إلى ذلك الحجر الذي علمنا "ثقافة الجحر".. نحسب أنفسنا أحيانا ننتمي لعائلة الثعالب ، لا تختلط مع أحد لا نثق إلا في مصادرنا .. نخرج إلاّ لضرورة الطعام أو العلاج .
وفي غمرة البحث عن الطعام وسط محلات مغلقة بالجملة ، اِعترضت أنفي رائحة سلبتني ما تبقى من إرادة ، خاصة والصّوم في أوجه .. اِتجهت متابعا لذرات الطعام التي يحملها الريح ، أتمايل يمنة ويسرة بين شوارع الدائرة العاشرة غير بعيد من محطة الجمهورية العظمى .. فجأة واجهني مطعم مفتوح ، كنت متأكدا أنه المطعم الوحيد المفتوح والذي تتسرب منه رائحة الطعام الشرقي ...
دخلت بتردد ..لكن سعيدا في داخلي ..بعلاقة بالإكتشاف ..قدم لي صاحب المحل إبتكارا جديدا ... حسبته الحقيقة لأول وهلة وصفة بريك تفننت فيها أيادي فنانيها .. حتى خرجت لي الأعجوبة في شكل فيروس تاجي عظيم ، يكاد أن يلتهمني ولا ينفع معه لثام ولا لقاح ولا تعقيم ... تراجعت لأفهم المغزى وحسبتها مداعبة .. ثم خرج صاحب المطعم لفاجئني بطبق في يديه ، قال لي بكل ثقة أنه طبق جديد، عبارة عن فيروس كورونا عملاق من العجائن محشو باللحم والخضروات ...ثم تركته ومضيت إلى حال سبيلي وبنفسي شتيمة لا تتخيل على بال ونقمة متصاعدة ، كنت طوال الطريق أقول ، ربنا يسترنا ويقدرنا على الثبات في هذا الوقت المتأرجح ...من المحتمل جدا أن تتحول الكورونا إلى ديناصور يهدد البلاد والعباد جهارا بعدما أكلت من لحم البشر ما لا يحصى ... ربنا يحفظنا مع العاقلين.
أحدث أقدم