قصوصة "الموزُ لرنِيمةَ" كاملة مع مقدَّمتها. بقلم : مهدي غلاّب / باريس

قصوصة 

"الموزُ لرنِيمةَ"

 كاملة مع مقدَّمتها.




 بقلم : مهدي غلاّب / باريس 





. -المقدّمة : وَالأقصوصة أعيت الخلق . تأتِي مفردات شيقة، حنينيّة أكثر ، تمُدُّ القلبَ سلوَانًا، ينفتِحُ البَاب علَى مرحلةٍ لذيذَةٍ وسطَ السُّوق الجاثِم بمُسحة والاِنفِعَالاتُ العفوِيّة تُسطِّر في زُكام الأَحداثِ والعِشقِ الثَّمِينِ . ثُمَّ صُرَّة التّقلُّبات تُخْرِجنا من طَفحٍ واسِعٍ إلى النَّهضَةِ والعُلُوِّ ، لمَّا يُشرِقُ صبَاح. هَذه أُقصوصةٌ وُلدتْ فِي غَارٍ قصيرٍ لا تُدنّسهُ التَّحديثات ، ولعَتْ مِن أَحشائهِ مشْكاةٌ ، حمَّالةُ البناءِ.



 -الأُقصوصة:


 الموزُ لِرنيمَة -أسرعُوا .. أسرعُوا ، الريحُ غلبَت الطَّير ...! -أسرِعوُا ..! تُسمعُ حركة في جلّ المساحات المحاذية للمَجالس والمـعابر؛ تتدحـرج البَراميل، تُـطلق الرّمل والـصّوت يُـذكّـرنا بالحصار والروح الغـريبة . "نديمة "، تتسلّقُ السّــور، تقفـزُ بسرعة، يبـرزُ طرف مـضيء كالجدول. تندفع ، يسقط القِـرط من أذنها لما كانت مَائلة تُسنِـد شعرها للجدار، تكتب شعارات للأوجاع ، على مقربة مــــــن "سلاّل". فتــــــح جرابه بــــأصابع تــــــرتطم ببعض والدّماء تســــــري خَـلف الـرّاحة اليمنى توشّح السّاعد الغليظ، ترتـسم سكّة ملتوية على طول الذّراع. أخْـرج الحَبّة الأخيرة المتـبقّية، اِنـدفع وسط الحِشد وعَينَاه تحرسـانها، نشفَ العرق ويبست الخطوط الحمراءالمَرسُومة على السَّاعد. في غفلة اِنتفض فجأة، كأنَّه ينهض من سبات ، اِهتزّت الأرضُ مِن تحته بدكَّاتٍ آتية من الطابقِ الخلفيِّ . صَرخ في ذهولٍ والجسد مرميٌّ : "رنيمة ".. "رنيمة" .. جئتك بالتّحْرير، بحقّ أمجادِنا، عُودي .. هذه المَوزةُ حصَّـتـُك من جلسةًَالمَساء . سقط بتؤدة على تراب خفيف ذاهــــب إلى الحمرة، وقعت قطرات من الـدّم على القرط، لكنّه لم يـتخلّ عن بـريق؛ أجْهز "سلاّل" على حباّت التّراب يشتّتها يمنة ويسرة، ثم اِنغمست كفّاه في عـمق الأرض، في حين اِرتفعـت سحَابة من الغبار. سقط الجِراب خَاويا على مسَافة مِن "نَـديمة "، تسرّبت رائحة الموز شحيـحة مِن جيوبِه الخلفيّة؛ اِستقرّ في الحَواسِّ ما يشبِه البادية. كنّا نرتع كالغزلان وكان سلاّل كالـبَرق يفتخر ويحلُـم كلّ ليلة أنّه الطّائر والنّور يحمله لمسافات متقدّمة. ونديمة تقود درّاجة هوائية جديدة في خطّ أَبيضَ مستقيم كخطوط الملاعب. نرجع بعد كلّ جولة مجتمعينَ نُوقظ الأصدقاء لنتعلّم التّحرير والمَكابرة والتّحدّيات. تعلَّمت " نديمة " كيف تضع الحَشو من رَوث المَاعِز المخلوط، تدكّه بعناية في عمق المفتاح الذي سرقت من بيت جدّتها وبعد ذلك تُفلق الأرض من حولها وتهزّ الحَاضر والغائـب ثمّ علّمها "نديم" كيف تخـتبئ وكيف تهاجم وكيف تُحبّ وكيف تغدق على التّراب اليابس وكَيف تنتصر بـدون اِندلاع مصادمات. تفخر المجموعة باِنسجام واِنسيَابيَّة فائقة ؛ تـتأقلم مع شتَّى المصاعِـب وتجتاز المصائب. ثم بَعد ذلك بـدأ السّعي يتَلاشى والحركة صارت عقيمة ؛ تهشّمت المزهريَّة من حول المتسللّين آخر المساء. في الأيام الأخيرة صَارت اللّقاءات مَـحدودة بينهُمـا وحتّى الشّجرة التي غرسها "سلاّل" في قَلبِ حديقتها ؛ يَبست عروقها بَعد إهمال لسنوات منْذُ غـيابِها الطّويلِ. عاد"سلاّل" يرسم الذّكريات على جدران لا تتكلّم ويفتحُ الأبواب علّه يعثر على اِبتسامة برّاقة من اِبتساماتها. كان لا يُقَصّر في بــحثٍ ولا يَبخل في مشاعر . ثم بَعد وقت قصير اِنطلق صوتٌ ينَادي بِقوّة في عمق اللَّيلِ والنّدَى : "أَسرعوا إلى مواقعكم .. أسرعوا لتجهزوا عليهم .. حَضرت القوّات". كانت الكلمات تثقب الجدران وسط سكوُن مطبق . خرجت ترنيمة ..بعد ذلك تتعالى : رِنّي "رنيـــــمة"هــــا الوقتُ واتاتا و"سلاّل"جــــاء يُزكِّي مُحيّانا رِنّي .. و رِنّي ترنيم رنّانا ســــلَّ العِــــــدا "سلاّلُ" أغنــــانَا.... بعد ذلك اِندفع الظّل تَسحبُه الشّمس والكُلّيات، ظـلّ مناديا : .. -تعَالي "رنيمة" اِلمسي الحريّة .. تركت لك رائحة الموزة الأخيرة تتصاعد، بعد أن فجّرتُ الغاشم. -تعَالي "رنيمة" أنَا "سلاّل". سيظل قِرطك لمّاعا في جيُوبِ القلب . قِرطكِ ..تَلــــــــــبسهُ المدينَة ٪؜ مع وافر التحيات .

، مهدي غلاّب | mido75019@hotmail.fr
أحدث أقدم