محفوظ الزعيبي يكتب لكم التّمازج بين الواقع والأسطورة في سيرة أبي إسحاق الجبنياني

 محفوظ الزعيبي يكتب لكم 



 التّمازج بين الواقع والأسطورة في سيرة أبي إسحاق الجبنياني 








هو أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد بن علي بن سلم الجبنياني البكري من بكر بن وائل بن ربيعة وهي إحدى بطون قبيلة ربيعة القرشية العربية. وإن لم يضبط المؤرخون تاريخ ولادته فإن وفاته تقابل يوم الاربعاء السابع عشر من محرم سنة تسع وستين وثلاثمائة للهجرة، ودفن بجبنيانة ومقامه مزار مشهور إلى هذه الساعة. وكان جده علي بن سلم من أهل العلم ومن أصحاب الإمام سحنون، وقد أسند إليه الأمير العباس محمد بن الأغلب مهمة الإشراف على بناء سور مدينة صفاقس وجامعها الكبير... فلما مات علي بن سالم وليّ بنو الأغلب - أبا العباس أحمد- والد الشيخ أبي إسحاق خراج إفريقية وكان من أهل الفهم والأدب ثم ارتقى عندهم إلى حدّ الوزارة والمشاورة... وقد عاش أبو إسحاق – عندما كان غلاما في رفاهية من العيش وأوكل إليه أبوه جماعة من الصقلّبيين لرعايته وصيانته وحرص على اصطحابه منذ صغره إلى جبنيانة التي كانت من أملاكه ومنتزهاته التي يقيم ويستحم فيها أثناء فصل الربيع، وكلف والده معلمين أحدهما يعلمه الفقه والقرآن والآخر يعلمه العربية والشعر... وهناك تعرف أبو إسحاق على الشيخ –ابن عاصم- المعروف بعلمه وعبادته وزهده، فتأثر بخصاله وورعه وبدأ يتخلى تدريجيا عن زخارف الدنيا وينساق إلى عالم الروح والتقوى إلى أن هرب واختفى عن أبيه وهاجر إلى سوسة وأقام فيها ليشتغل أجيرا عند بعض العامة، ومما يُروى عنه أنه إذا استأجر نفسه لجني الزيتون وتحصل على مال من مؤجريه رد لهم بعضه خوفا أن يكون حصل منه تقصير في العمل.. ثم وفقه الله لطلب العلم، فكان لا يسمع بعالم أو برجل صالح إلا قصده فيجلس إليه ويستمع منه ويكتب عنه. وكان أبوه كلما طلبه وجدَّ في البحث عنه تنقل من بلد لآخر مختفيا وراغبا في طلب العلم والعبادة والزهد في الدنيا.. ثم قصد بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج وكان ذلك سنة 314 للهجرة، وعاد بعد ذلك ليأخذ العلم من عيسى بن مسكين ومن أبي بكر بن اللباد الذي أقام عنده في القيروان ولا يشرب إلا من ماء بئر- روطة- وهي التي اشتهرت باسم – يروطة- كما يطلق عليها العامة اليوم.. وقد صحب أبو إسحاق جمعا من مشاهير الفقهاء وعلماء أصول الدين من أصحاب سحنون مثل أبي يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة ومسرة بن مسلم وثابت بن سليمان.. وقيل إنه يوجد في كل قرية من الساحل رجل صالح من أهل العلم والقرآن يزار وينتفع بعلمه.. وكان كثير من الفقهاء يسكنون قصر زياد في ناحية من سواحل جبنيانة وهو من المعالم الدينية المجيدة التي اشتهرت في القرن الرابع للهجرة. وقال الشيخ – أبو الحسن علي القابسي – في أول سفرة إلى أبي إسحاق الجبنياني : "أول ما اقتربنا من جبنيانة دخل قلبي منه رعب وهيبة عظيمة وقلت لأصحابي : "إني خشيت أن يجري على لسان هذا الشيخ الجليل من أحوالنا ما يظهره الله للناس. فوجدناه غائبا، خرج ليصلي على جنازة في إحدى القرى.. قال : فلما جاء وقت الصلاة وأذن فما هو إلا أن وقع أذانه في أذني ملكت نفسي حتى جلست إلى الأرض وسمعت أذانا ما سمعت مثله، ثم دخلنا المسجد فلا أسمع أحدا يتكلم إلا أن سلم سلاما خفيفا. قال : فلما صلى وهمّ بالانصراف سلمنا عليه فكان منه إقبال ودعاء..." وقال عنه أيضا : "سألته مرة أن يذكر اسمي في دعائه أثناء الصلاة لعل الله يفتح لي لأن دعاءه مقبول. فقال لي : بل أدعو لك ضمن جماعة المسلمين.. فرجوته أن يخصّني وحدي بذلك. فأجابني قائلا : أرأيت من أودع وديعة فضيعها، أليس يضمن كما يضمن المعتدي ! فقلت : بلى. قال : فما دعا الإنسان إلى شيء إن ضيعه صار كالمتعدّي.. فقلت له : فلا عليك أن أعرّفك باسمي، فإن نشطت للدعاء لي دعوت وإلا تركت، قال : لا.. ثم اخذ بيدي فرىني كئيبا إذ لم يقبل مني ما سألته فيه. فقال : ما اسمك؟ فقلت له : علي.. فقال لي : أبشر يا عليّ ! أعلى الله قدرك في الدنيا والآخرة، ثم لما قُرّبَت دابّتي لأركب أخذ بركابي، وكذلك شانه أن يأخذ بركاب من فيه علم أو خير..." وعاش أبو إسحاق مستديما على طلب العلم وصحبة العلماء وكان يقول دائما : "وددت لو أني على أبواب العلماء أفترش خدّي لطلبة العلم" ويقول للزوّار : "أتتركون العلماء وتأتوني؟" وكان متقلّلا في أكله ولبسه وعرف أنه أشدّ الناس أخذا وتضييقا على نفسه وعلى أهله.. وكان يطحن الشعير ويعجنه بنخالته ويقتات منه وقيل أنه إذا رمى منه شيئا إلى الكلاب والهررة تعافه ولا تأكله.. وروي عنه أنه يختم القرآن في ثلاثة أيام بلياليها.. وحكى عنه أحمد بن عيشون أنه لما حجّ جلب معه حصيات من حصى المسجد الحرام التماسا للبركة وعند عودته عرض على الشيخ أبي إسحاق أن يعطيه منها شيئا ليسبّح بها... فالتفت إليه معاتبا وأمره بإلقائها بعيدا قائلا له : "لأقلّ من هذا عبدت الحجارة.. إنها لا تنفع ولا تضرّ.." ومن أقواله المأثورة :"لا تعلموا اولادكم إلا عند رجل حسن الدين، فدين الصبي على دين معلمه". وكان الشيخ أبو إسحاق يؤثر ويجل الفقيه : مسرة بن مسلم في العلم لفضله ويأمر بالسماع منه.. والتصقت بسيرة أبي إسحاق كثير من الأساطير ولعلّ أشهرها تلك التي ظلّت رائجة في جهة جبنيانة ويحكيها الكبار والصغار وهي أن عبد القادر الجيلاني شيخ بغداد والذي تنتسب إليه طريقة –القادرية- قد عاش مع أبي إسحاق في عصر واحد ويذكر البعض أن ابن خالته وهذا غير ثابت إلا أن –محرز بن خلف يعتبرونه ابن خالة أبي إسحاق.. وكان الشيخ عبد القادر بدرّس في بغداد ويهرع إليه طلبة العلم والفقه من كل حدب وصوب وذات مرة شاهده تلاميذه وهو يضحك وقد انقطع عن الدرس وتلهّى بعكّازه يعبث بها ويمدّها إلى الأمام والتلاميذ يراقبونه في حيرة من أمره.. وفجأة تلطّخت وجوههم بنثار من الطين فاستغرق الشيخ عبدالقادر مقهقها فسألوه عن السبب فأخبرهم أنه يداعب ابن خالته المقيم في جبنيانة بتونس وكان يقصد أبا إسحاق الجبنياني قائلا لهم أنه يمتلك بئرا يستخرج منها الماء بواسطة الدلو ويصبّ الماء في الجابية التي سدّ ثقبها بخرقة من القماش، فيدفع الشيخ عبد القادر الخرقة بعكّازه فيثقب الحوض ويسيل الماء خارجا ليضيع هدرا فيغضب أبو إسحاق ويعيد الخرقة إلى موضعها من جديد وهكذا استمرت اللعبة بينهما إلى أن اغتاظ أبو إسحاق وقذف بلقمة من الطين فانتثرت على وجوه التلاميذ ببغداد وأخطأت وجه الشيخ عبدالقادر رغم بعد المسافة بينهما والتي تقدّر بآلاف الكيلومترات.. فتشوّق التلاميذ لزيارة أبي إسحاق واللقاء به ولما رأى الشيخ عبدالقادر إصرارهم على ذلك ورغبتهم الملحة أذن لهم راجيا أن يبلّغوا تحياته وأشواقه إليه.. وقدموا من بغداد إلى جبنيانة وسألوا عنه فنعتوهم عليه، وكم كانت دهشتهم حين وقفوا على الحقيقة حيث وجدوا شيخا فقيرا رثّ الهندام يعمل في الحقل، فسلّموا عليه وعرّفوا بأنفسهم ففرح بهم واستبشر بقدومهم، وأخبر زوجته فشعرت بالحزن لأنها لا تملك عشاء ليلة وعليها أن تتدبّر الأمر لاستضافتهم.. وأقاموا عنده مدة ثم أثارهم الحنين للعودة إلى بغداد، وهيّؤوا أنفسهم لمشاقّ الرحلة الطويلة القاسية وقد زوّدتهم زوجته بأقراص من الكسرة، فشيّعهم إلى جهة البحر حيث يقيم الولي الصالح -مسرة بن مسلم- قرب قصر زياد وأمرهم بالتوجّه إلى القبلة وإغماض عيونهم وقال بعد أن سمّى باسم الله : "يا سيدي مسرة، صرهم فرد صرّه، وأرميهم في الشام وبغداد، لا باس ولا مضرّة..." ففتحوا أبصارهم فوجدوا أنفسهم بالقرب من بغداد، وأقراص الكسرة لا زالت ساخنة بأيديهم.." وهذه الأسطورة الطريفة كان الناس يصدّقونها ويتداولونها في جبنيانة وريفها وهي لا تمسّ من صورة أبي إسحاق الجبنياني ولا تفسد عنه حقيقته المتمثّلة في الفقه والورع وعلوم الدين وهو الذي يساهم في نشر المذهب المالكي بتونس وقام بحملة شعواء ضدّ الشّيعة في بلادنا... وأحسن الحديث عن هذا الرجل أنه كان كثيرا اللقاء بمسرة بن مسلم وكانا كلما التقيا جرى بينهما حديث طويل وبكاء ودعاء ثم يتصافحان ويتواعدان.. وأكثر ما اشتهر به أبو إسحاق الجبنياني انه كان مجاب الدعوة، فقد كان يصلي ذات مرة فتهكّم عليه رجل يدعى – الكتامي- منتقدا إيّاه في اداء الصلاة، فدعا عليه أبو إسحاق وقال : " اللهم اجعله آية للعالمين، فطارت عينا الرجل وهو يصيح : "لا تقربوا هذا الشيخ... الموت لمن يؤذيه." ووقف عليه رجل فقال للشيخ : " عندي دعاء إبراهيم عليه السلام الذي دعا به حين ألقي في النار، ودعاء يونس عليه السلام حين التقمه الحوت.. فقال له الشيخ : " إذا كنت تدعو بدعاء الأنبياء وتفعل فعل الفراعنة فمن تخادع؟". وحكي أنّ رجلا صاحبا للسلطان يقال له - نصير- وكان مارقا عن الدين فمرّ بأبي إسحاق وهو يؤذّن فاعتدى عليه ناعتا إيّاه بالنّفاق وبإضلال الناس وصدّهم عن الدعوة للسلطان.. فلما انتهى أبو إسحاق من الآذان التفت إليه قائلا : "أذلّك الله يا فاسق عاجلا على يدي من اعتززت به من دون الله.. فنفذت دعوته بعجالة حيث نقم السلطان على –نصير- لبعض الأسباب ، فضربه خمسمائة سوط وصلبه حيّا وهو يتخبّط ويصيح : "هذا جزاء من يسبّ الجبنياني.." وروى اللّبيدي وهو أحد الأئمة الذين كتبوا سيرته أنه كان يردّ دوما : "أيا من بات مرتكب المعاصي وعين الله شاهدة تراه أتطمع أن تنال العفو ممّــن عصيت وأنت لم تبلغ رضاه فتب قبل الممـات وقبل يـوم يلاقي العبد ما كسبت يداه" ولما قدم أبو حامد الخراساني لزيارة أبي إسحاق سلّم عليه وقال له : "جئتك من خراسان زائرا. فقال له أبو إسحاق : إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك فأنا أحمق منك.. كيف تترك العراق ومن به من العلماء ثم الحرمين الشّريفين، والشّام ومصر وتأتي إلى المغرب إلى شيخ جبنيانة تقول له هذا ؟. فبكى أبو حامد وقال لي : "لو لم تكن هذا لما جئت إليك.." ولما توفّي الشيخ أبو إسحاق، عثر اهله على رقعة تحت الحصير التي كان يفترشها وقد كتب بخطّه عليها : "رجل وقف بهاتف فقال لي : حسّن عملك فقد دنا أجلك". وعلّق ابنه – عبدالرحمان- عن هذه الرّقعة: "كان الشّيخ إذا قصّر في العمل أخرج هذه الرقعة فنظر إليها ثم ردّها ورجع إلى الجدّ فيما هو فيه من العبادة... وذكر المؤرّخون أنه توفّي وليس له مسكن، والحجرة التي كان يأوي إليها على ملك ابنه أبي الطاهر، ولم يجدوا له من متاع الدنيا شيئا يذكر إلاّ أمداد شعير في قلّة مكسورة، وما ترك شيئا يمكن أن يورثوه عنه... وهكذا نرى من خلال هذه السيرة النّقية الطاهرة مناقب رجل نذر نفسه للعبادة والتّقوى والعلم ولم يحفل بزينة الدّنيا ولم تلهه زخارف الحياة عن التعلّق بالله والتفرّغ إلى الخالق... وعلى مرّ العصور علقت بسيرته حكايات وغرائب في الزّهد والتعبّد والبركة أضافت إليها الحكايات الشّعبية بعض الأساطير التي لا تشرخ من قيمة الرّجل بصفته علما من أعلام الفقه وأصول الدّين فامتزاج الأسطورة بالواقع في سيرة أبي إسحاق الجبنياني من العوامل التي توشّح هذه السّيرة وتزيّن صورتها لتبدو في منتهى الحسن والجمال...

محفو الزعيبي/
عضو اسرة التحرير
أحدث أقدم