قصة قصيرة عطر والدي قصة لآمال مختار

قصة قصيرة

عطر والدي


قصة لآمال مختار



لم تكن تلك الأمسية مختلفة عن سابقاتها. الضجر يملأ أعماقي حتى تكاد تنفجر. وهي تنفجر غالبا لأتفه سبب فيندفع السيل مالحا حتى يكاد يجرف المنزل بما فيه ومن فيه.
يجفّ الماء ويبقى الملح على أخاديد روحي دوائر كأنه شاطئ أرض سَبِخَة.
في تلك الأمسية دفعت أمي باب غرفتي وقالت في محاولة جديدة:
-ألا تريدين مغادرة عزلتك والذهاب معنا إلى حفل زواج ابنة عمّك؟ لا تنزعجي، فالحفل لن يكون في قاعة أفراح شعبيّة بل في فندق من الطراز الرفيع.
فتحت أمّي عينيها واسعتين. لم تصدّق أنّ محاولتها هذه التي أطلقتها تجنّبا لتأنيب الضمير ستلقى جوابا. لذلك بدا عليها الذهول عندما قلت:
-طيّب، هيا بنا.
مازال الاستغراب على وجهها عندما قالت:
-ألا تلبسين ما يناسب الحفل؟ ألا تتجمّلين؟
قلت:
-لا داعي لذلك. أنا ذاهبة لأتسلّى.
كأني بها تراجعت عن مناقشتي والإلحاح عليّ مخافة أن أغيّر رأيي فأعدل عن الذهاب.
وقفت سيارة أمام النّزل.
كان المدخل غريبا. على الأعمدة الضخمة تلتفّ أغصان أشجار عملاقة تكاد تغطّي البوابة الرئيسيّة. تحت إحدى الأوراق الضخمة، برزت لافتة عريضة على يمين البوابة كتب عليها بلون الدم:
"أهلا بكم في فندق السعادة".
بدأت الدّهشة تسري في أوصالي.
التفتّ إلى أمّي وصديقتها أبحث عن آثار الدهشة في وجهيهما فلم أعثر إلا على الفرحة والابتسامة. تضخّمت دهشتي، لكنّي واصلت سيري أتبعهما في مكان بدا لي كالمتاهة.
كانت قاعة الاستقبال مزدحمة بالكراسي المختلفة الأشكال فهذه كراس بلاستيكية بمساند عالية تكاد تلامس السقف وتلك كراس قصيرة، هناك. غير بعيد مجموعة أخرى من الكراسي الحديدية ذات المساند المشبّكة والمقوّسة على طريقة شبابيك "البرمقلي" كراس أخرى شبيهة بأقفاص العصافير. أمّا في زاوية القاعة الفسيحة فالكراسي كانت من العاج وكان الجزء الخاصّ بالجوس مزدانا برسوم حيوانات وحشيّة. في الركن المقابل انتشرت مقاعد وثيرة بدت كأنّها ممتلئة بالهواء. في حين أشرق في آخر القاعة بريق مجموعة من الكراسي الذهبيّة المرصّعة بأغلى الأحجار الكريمة وأثمنها. كان الازدحام على أشدّه هناك. أمّا قريبا منها فقد خفّ الزحام حول المقاعد الفضيّة المغلّفة بالستان الأحمر... هرج ومرج يملآن الفضاء... وحركة هنا وهناك... تبادل مقاعد... جري وراء كراس فارغة... خصام حول الجلوس على نفس المقاعد...
تمسّكت بيد والدتي وهمست لها:
-أهذا نزل أم سوق بيع وشراء للكراسي.
لم تُجبني ولم تبد أيّ ملمح من ملامح الاستغراب. وكذلك صديقتها.
ظلّت دهشتي غريبة في وحدتها.
قالت أمّي:
-أعتقد أنّ حفل الزواج في الطابق الأخير.
وأضافت صاحبتها التي بدت لي في ملابس السهرة كأنها مهرج هارب من السرك.
-هي قاعة فسيحة خاصة بحفلات الزواج وسهرات العشاء الراقصة التي يحييها الفنانون القادمون من القاهرة وبيروت.
وسألت:
-أين المصعد؟
ردّ صوت طلع من المجموعة الواقفة قريبا منّا.
-مِن هنا... أعتقد... نعم... نعم من هنا...
تبعنا دليلتنا وإذا الباب الذي غادرنا منه قاعة الاستقبال يلقي بنا في متاهة من الممرات الضيّقة والملتوية والمتصاعدة. كانت أرضيّة تلك الممرات مغطّاة بموكيت بلاستيكية فستقيّة اللون تذكّر بممرات المستشفيات. كانت الموكيت مطليّة بمادة لزجة تساعد على النزول السريع أما الصعود فقد خصّصت له مقابض حديديّة لاصقة على امتداد حائط الممرات ومطليّة هي أيضا بنفس تلك المادة اللزجة، وعلى الراغب في الصعود أن يقوم بحركة دفع قوية في اتجاه الأعلى.
صرخت بكل ما أوتيت من قوّة:
-هذا صعب ! بل مستحيل !
لكن لا أحد التفت إليّ ولا أحد من الناس استمع إلى صرختي بمن في ذلك امي التي شمّرت فستانها اللامع المطرّز بالعقيق وشرعت في الدفع مستعينة بذلك السائل اللزج، بل الأعجب من ذلك أنّها كانت تفعل ذلك بتلقائيّة المتعوّد. كانت تتحدث وتنكّت وتنتقد القادمات إلى حفل الزواج غير مبالية بذلك الصعود الشاق. وكذلك الشأن بالنسبة للجميع.
بدا لي المشهد من أغرب وأطرف ما رأيت في حياتي. أناس بمختلف درجاتهم الفكرية والاجتماعية والثقافية متمسّكون بتلك المقابض الحديديّة، يدفعون أجسادهم في عمليّة صعود غريبة ! أما النازلون فقد كان أمرهم سهلا، إذ كانوا كمن يتزلّج على الجليد.
رفضت أن أصعد مثلهم وقلت:
-هذا غير معقول. لابدّ من سبيل آخر. كأن تكون هناك مدارج عاديّة للنجدة.
سخرت مما يحدث. همست لي أمّي:
-بْنَيْتي، لا تهدري وقتك. إنّه لا سبيل إلى الصعود إلاّ بهذه الطريقة.
قلت:
-لن أستسلم. سأبحث عن أسلوب آخر.
تركتها هي وصاحبتها ورحت أتجوّل في أرجاء الفندق العجيب. انتبهت فجأة. وإذا بقدميّ غارقتان في الماء الوسخ. صعقت وصرخت:
-ما هذا الطوفان من القذارة؟
غير أنّ ما جعل دهشتي تستفحل فيّ هي لامبالاة الناس الذين كانوا يتنقّلون هنا وهناك، ومن غير أدنى انزعاج من ذلك الماء القذر الذي كان يغرق الفندق ويبلّل أحذيتهم.
مررت خلال جولتي بالطابق السفلي حيث المطاعم والمغاسل. كان الجميع يتزلّج على أرضية لزجة شبيهة بأرضية الممرات. غادرت الفندق من أحد الأبواب الخلفيّة لأعثر على أدغال متشابكة الغصون، نباتاتها عملاقة، أشجارها ضخمة، أمّا ثمارها فكانت بلاستيكيّة. احترت. كيف يمكن لأشجار حيّة وحقيقيّة أن تثمر بلاستيكا ! مازلت في حيرتي حين شاهدت على الحائط الخلفيّ للفندق سلّما زئبقيّا كالسراب. قصدته. كان السلم لا يكاد يثبت تحت قدميّ...
تسلّقته، حتى بلغت ما اعتقدت الطابق الأخير المخصص للحفلات.
ما إن وطئت قدماي حافة الجدار حتّى وجدتني على سطح الفندق الذي استُغِلّ بأكمله ليكون المسبح... غير أنّ المدهش حقّا كون هذا المسبح امتلأ بسائل قذر... وكان سكّان الفندق يقبلون على المسبح بآنياتهم الواسعة ويفرغون هناك محتوياتها...
سألت أحدهم:
-ما حكاية الماء القذر الذي يملأون به المسبح؟
قال:
-لا توجد قنوات لتصريف مياه الاغتسال. لذلك يلقي النّزلاء تلك المياه في المسبح.
زَممت شفتيّ ورحت أتساءل عن قاعة الاحتفالات بعد أن أضعت أمّي وصديقتها. لم تطل بي الحيرة إذ تناهى إلى مسمعي عزف وصخب. بحثت في كلّ الجهات. لا شيء يحيط بالفندق سوى تلك الأغصان الضّخمة المتشابكة فوق المسبح الذي لم أعد أراه قريبا على السطح بل أصبحت أراه كأنّه قاع بناية الفندق التي لا سقف لها.
من هناك كانت تنبعث الموسيقى. لم أميّز سوى إيقاعها العالي. ثمّ كانت صدمتي عندما توضّحت لي الصورة فرأيت حفل الزواج مُقاما هناك داخل المسبح المملوء قذارة.
طاولات وكراس. باقات ورد. منصّة عليها الفرقة الموسيقيّة، وأخرى عليها العريس والعروس. دقّقت في وجه ابنة عمّي أتطلّع إلى زينتها وإذا بها امرأة بوجه ضفدعة وبفستان زواج أبيض جميل، إلى جانبها كان يجلس زوجها وإذا به رجل بوجه ذئب تشتعل عيناه تحت نظّاراته الطبيّة.
حوّلت بصري إلى الحضور وإذا الجميع يحملون على أجسادهم الآدميّة رؤوس حيوانات. فهذا ثعلب وتلك أفعى وهذه أرنب وتلك بومة، وهذا قرد وذلك حمار. كلّ الحيوانات تقريبا هنا في حفل زواج ابنة عمّي الضفدعة. كان الجميع يرتدي ملابس ملوّنة لامعة، قصيرة، طويلة، لاصقة، فضفاضة كأنّها أزياء سيرك.
كانت أمي بوجه الغزال تلوّح لي من بعيد وتدعوني إلى القفز. استغربت كيف تطلب منّي أمّي أن أنزل هناك، بل ودهشت كيف نزلت هي في ذلك المسبح القذر من غير أن ترى ما رأيت وتستغرب ممّا حدث ويحدث.
تراجعت بخطوات إلى الوراء وإذا بي أسقط بينما اندلعت صرختي تشقّ العتمة بل تفتّتها.
في طريقي إلى الهوّة رأيت مكتبتي تتحطّم وكتبها ممزّقة تتطاير أوراقها. رأيت أصدقائي يسقطون معي: المتنبي هادئا وغير مبال مردّدا: "سأنام ملء جفوني..."، أبو نواس مفزوعا معانقا دنّه مقطّرا كأسه. ماركيز متقوقعا على ذاته كالجنين في عزلته. كازانتزاكي صارخا نائحا لا يريد مفارقة الحياة. كواباتا في سلام الكفن يردّد: "لقد سبقتكم..." أما نيتشه وهيغل فقد كانا يردّدان في طمأنينة: "ألم نقل ذلك".
عندما ارتطمت بشيء صلب كالصندوق مرتفع على سطح الأرض، تتطلّعت حولي أبحث عن دمائي، وإذا بالصندوق ينفتح ويبتلعني.
لفحتني رائحة عطر حميم، وإذا بروحي خفيفة مضمّخة بشوق مجنون لاحتضان روح والدي.
من مجموعة :لا تعشقي هذا الرجل الصادرة سنة 2003.
أحدث أقدم