الدكتور احمد القديدي يكتب //في الذكرى العشرين لوفاة الزعيم

في الذكرى العشرين لوفاة الزعيم 



بقلم الدكتور احمد القديدي*






 في الذكرى العشرين لوفاة الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة 6 أفريل 2000 و قد أثار تاريخه كثيرا من الجدل المشروع خاصة أن الثورة أتاحت حرية التعبير وهذا فضلها الأول. فالتاريخ التونسي ظل حبيس التفسير الواحد على مدى ستين عاما مما يبرر اليوم سنة 2020 هذه المواقف المتباينة. ولا ننسى مساهمات الأستاذ الزميل العلامة د. عبد الجليل التميمي صلب(وظف) مؤسسته الأكاديمية الخاصة في إنارة أركان مظلمة من تاريخ تونس وتوثيق الشهادات القيمة التي لن ننسى فضل التميمي في إضافتها لأرشيفاتنا الوطنية كما لا ننسى العمل المتميز الذي تقوم به هيئة الحقيقة والكرامة لتمكين الضحايا والمضطهدين من الإدلاء بشهادات حية ومؤثرة تسلط الأضواء الكاشفة على ما كان يحدث في السر والعلن من مظالم ومكائد وإعدامات وتنكيل وتعذيب استهدفت آلاف الرجال والنساء من أجل تثبيت الحكم المطلق لكل من بورقيبة وبن علي مع الفرق الشاسع بين رجل الدولة ورجل الصدفة. وأنا من موقع الشاهد المقرب من كل تلك الأحداث عملت مع بورقيبة عن كثب ووشح صدري بوسامين (الاستقلال والجمهورية) لكني عارضته قبل مسؤولياتي وأنا يافع حين شاركت بحماس طفولي في مظاهرة القيروان الشهيرة والرائدة سنة 1962 من أجل حماية الإسلام ومنع التنكيل بأستاذنا الإمام عبد الرحمن خليف وسقط فيها برصاص الجيش سبعة شهداء ثم عارضت نهج بورقيبة وأنا شاب فلوحقت وأوقفت يوم 4 سبتمبر 1969 مع الصديقين أحمد الهرقام وعامر سحنون وحقق معنا محافظ الشرطة حسونة العوادي وصودر جواز سفري وأنا طالب ثم التحقت بالحزب الواحد (لم تكن هناك أحزاب) تعزيزا لصديقي محمد مزالي رئيس الحكومة وحاولنا قدر المستطاع أن ننهج في صلب الحزب البورقيبي سياسة الانفتاح على التعددية الحزبية وسياسة تعريب التعليم وتكريس التعاون جنوب جنوب وهي خيارات في الحقيقة تتعارض مع مشروع بورقيبة الذي عرفنا أنه غربي الهوى والمصالح وتغريبي بالضرورة يرهن استقلالنا لدى الغرب الإستعماري لغة وثقافة واقتصادا. إلى أن جاءت سنة 1986 حيث نشطت ضد محمد مزالي لوبياتتغريبية ونفينا خارج البلاد مدة 14 سنة كنا فيها مطلوبين من أنتربول وملاحقين بالأقلام الخسيسة تنهش أعراضنا وتشتت أولادنا في أرض الله فولد أولادي في فرنسا وهاجرت بنتاي إيناس وسيرين إلى أميركا ولم أرهما لمدة تسع سنوات….نعم تسعة أعوام حين تركت البنتين طفلتين والتقيتهما شابتين ثم لم ألتق والدتي المرحومة الحاجة السيدة الحداد من سنة 1990 الى سنة 1999 أي تسع سنوات حتى أني لما دخلت عليها بعد عشرية غياب لم تعرفني وسألت أولادها (من منكم أحمد ؟) ويعلم الله كم عانينا في سنوات المنفى الأربع عشرة في فرنسا التي منحتنا اللجوء السياسي وفي قطر الحبيبة التي عملت فيها أستاذا جزا الله كل من ساندنا وأجارنا في المحنة كل خير… فموقعي المأسوي في قلب السياسة فرضته علي أقدار الله تعالى والحمد لله على المحنة والمنحة وعلى السراء والضراء. أنا أذكر بهذه الحقائق لا تباهيا ولا غرورا بل اعتبارا لأترحم على أرواح شهداء تونس الذين دفعوا أكثر من هذا النزر القليل ولم يبخلوا بأرواحهم الطاهرة مما يدعونا نحن للتواضع والاعتبار. وأنا بعد كل هذه المحن أبتسم بمرارة حين أسمع في التلفزيونات ألقاب (المناضل فلان أو المناضلة فلانة) تطلق على بعض شبابنا الغض الزغاليل بسبب انتمائهم لهذا الحزب أو ذاك ظنا منهم أنهم يناضلون وهم عن حسن نية يبدأ نضالهم وينتهي عند عقد اجتماع أو المشاركة في نقاش تلفزيوني بسيط. ولكل جيل مفهومه للنضال! نعود الى شخصية بورقيبة المزدوجة المعقدة التي أعرفها بعمق لأني على مدى سنوات تحاورت معه مباشرة عديد المرات وتعرفت على أقرب المقربين إليه وسجلت شهاداتهم وسأكتب إذا ما وهبني الله الصحة مذكرات حول هذه الحقائق الصادمة العجيبة ! وإعادة قراءة التاريخ لا يعني التشكيك في زعامة بورقيبة إلا أن تقييم الأخطاء ضروري لتلافيها في المستقبل وعجبي اليوم كيف تحيي بعض النخب ذكرى الزعيم لا بعقد ندوات علمية أو بمراجعة الثوابت المدلسة والمفروضة بل بالطواف بالمباخر والصور العملاقة كأنما نحن في جاهلية هبل واللاة والعزى مع محاولات لتوظيف تاريخ الزعيم لاكتساب الزعامات. الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب عيوننا هي أن تونس بعد ستين عاما لم تتقدم بالمشروع البورقيبي والنمط التونسي ! فقد كنا نحن و كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة في مطلع السبعينات على نفس مستوى الاستعداد للتنمية والإقلاع بشهادة صندوق الأمم المتحدة للتنمية PNUD حين كانت بلادنا بالضبط تساوي كوريا الجنوبية في المساحة والسكان والكوادر والثروات الباطنية والطاقة والجامعات والقدرة على النمو والتميز ….والنتيجة سنة 2018 أن مجمل ميزانية الجمهورية التونسية توازي…..ربع ميزانية سامسونج !!! فتونس راحت ضحية الخيارات الفردية والمصالح الشخصية والعائلية وكبت الحريات ومواصلة (البارانويا) الجماعية إلى يوم الناس هذا حين ندرك أن أغلب النقاشات السياسوية التافهة التي نسمعها في وسائل الإعلام ليست لها أية علاقة بمشاغل الناس الحقيقية. و لله الأمر من قبل و من بعد.

* اعلامي واستاذ جامعي وسفير سابق
أحدث أقدم