الكاتبة الكبيرة امال مختار تكتب لكم قصة جديدة..// باب العرش //



الكاتبة الكبيرة امال مختار تكتب لكم قصة جديدة






قصة بمناسبة شهر رمضان
بـاب الـعـرش

----------

تنتظر قدوم رمضان كمن ينتظر الفرج. على قلق تظل تعدُّ الساعات والأيام والليالي الطوال والأشهر حتى يأتي رمضان. في رمضان تشتعل فيها الحياة التي تخمد نارها طول سنة تقضيها مريضة كئيبة تشكو من أوجاع الرأس وضيق التنفس.
في بداية شبابها عندما أصابتها هذه الأعراض اهتم والداها بها فأخذاها إلى أكثر من طبيب وأجريت لها فحوصات مختلفة وصور أشعة، لكن كلّ أنواع الفحوصات أكّدت أنها سليمة لا تعاني من أي مرض. غير أنّها ظلّت، رغم كلّ ذلك، تشكو طوال سنين من الأوجاع التي تنخر رأسها حتى تحسّ أنه يكاد ينفجر خاصة في الليل، أمّا ضيق التنفس فكانت أزماته تقبض عليها فجرًا وهي شبه نائمة فتفزع من كوابيسها تستغيث وتستجدي نفسا يعيد إليها الحياة التي تكاد تفارقها. لكنها لا تريد أن تفارق الحياة إنها تعيش طوال أحد عشر شهرا منتظرة أن يأتي شهر الصيام لتعانق الحياة من جديد.
خلال هذا الشهر يصحّ رأسها وتتلاشى تلك الأوجاع التي تدقها طوال ليالي كثيرة مرعبة، وتختفي أزمات الاختناق التي تصيبها في فجر كلّ ليلة وتعود إليها الإشراقة، فتعود صبية نضرة، بل إنها تسترجع ملامح جمالها بعد أن ترفع عن جبينها تلك العصابة التي تكبس بها رأسها لتخفف عنها الأوجاع التي لم تنفع معها كلّ أنواع الأقراص التي تتعاطاها.
تستعد صبرة لاستقبال رمضان كمن تستعد لحفل زواجها، وإذا بها قبل شهر تخيط الملابس الجديدة وإذا بها تذهب إلى الحلاقة فتصبغ شعرها لتخفي خصلات الشيب التي بدأت تغزو شعرها الأسود الطويل، وقبل أن يحلّ الشهر الكريم بليلة واحدة تذهب إلى الحمام التركي ثم تعود إلى المنزل كعروس، تطلق شعرها الطويل الجميل على كتفيها وترتدي ملابسها الجديدة وتتجمّل، وتتحرّك في المنزل سيدة بلا منازع فتتولّى الطبخ وإعداد أصناف عديدة من الأكل اللذيذ. وهي بكلّ تلك الاستعدادات تنطلق في رحلة انتظار جديدة، انتظار من نوع آخر، إنها تنتظر ليلة القدر.
في السنوات الأولى التي بدأت تتشكل فيها هذه الحالة التي تتلبس صبرة خلال السنة لتتحوّل إلى نقيضها خلال شهر رمضان كانت الدهشة تصيب كلّ أفراد عائلتها، شيئا فشيئا، تعوّد الجميع بما أصاب صبرة بل إنهم أصبحوا يشاركونها انتظار شهر الصيام لأنهم خلاله يرون وجه ابنتهم الحقيقي، وجه المرأة المقبلة على الحياة بنهم.
إلى جانب ذلك فهي، في رمضان، تتحمّل مسؤولية المنزل كأحسن ما يكون، فتمنح والدتها إجازة لتتولى هي الخروج والتسوّق والطبخ وإعداد المائدة بكلّ ما عليها من أصناف يقبل عليها إخوتها ووالداها بشهية متفتحة.
والدتها أكّدت للجميع أن ابنتها تعرضت لعملية سحر جعلتها تستيقظ من سجن مرضها شهرا في السنة، لذلك ذهبت إلى كلّ السحرة الذين سمعت عن عبقريتهم، ودفعت الكثير لكي تحرّر ابنتها فتقبل بمن يتقدمون لخطبتها وتتزوّج بعد أن انقطعت عن الدراسة بمحض إرادتها.
لكن لا شيء من كلّ ذلك نفع، فلا البنت تحرّرت، ولا السَّحَرَةُ نجحوا في كشف سرّها، ولا الطبّ شفاها وظلّت حكايتها تتردّد في الحيّ وتضاف إليها في كلّ مرة تفاصيل من مخيلة الذين يردّدونها.
لم تكن صبرة تسمح إلى أي أحد بالحديث في موضوع حالتها، الوحيدة التي كانت تساررها هي صديقتها منذ الطفولة وجارتها التي تزوّجت في السنوات الأخيرة فأصبحت تراها نادرا. بحكم سكنها في حي بعيد وانشغالها بعملها وبيتها، فقط كانت تقابلها عندما تزور هناء أهلها. وفي كلّ مرّة كانت هناء تقابل فيها صبرة كانت تحاول أن تفتح معها الماضي وأن تساعدها لتشفي نفسها لكنّها كانت تغلق كلّ الأبواب.
خلال هذا الشهر جاءت هناء لزيارة أهلها ومقابلة صديقتها الحميمة صبرة منذ الأيام الأولى من الشهر.
سارعت هناء إلى صبرة لتعلمها أنّ هناك من يريد الزواج منها وأنه سيتقدّم إلى خطبتها ليلة السابع والعشرين من الشهر الكريم، لم تصدق صبرة الخبر وراحت استعداداتها لانتظار ليلة القدر لهذه السنة تكبر لتصبح استعدادات العروس تماما.
وافقت صبرة أخيرا على الخطبة وضجّ المنزل بفرح غير عاديّ، أخيرا انحلّت عقدة صبرة وانتظر الجميع ليلة القدر على أحرّ من الجمر.
وجاءت ليلة القدر. تجمّلت صبرة فبدت كأنها حورية من الجنة، خرجت من غرفتها وهي ترتدي فستانا أبيض. سلّمت على أهل العريس، ثم جلست. نظرت خلسة إلى الرجل الذي سيصبح زوجها، ربّما انتابتها بعض أحاسيس الإعجاب، لكنها لم تهتمَّ. كانت تنظر إلى ساعتها كأنها على موعد.
في تمام منتصف الليل تسللت صبرة. وتسلّقت المدارج إلى سطح المنزل. وكعادتها منذ سنوات طويلة ومنذ أن كانت طفلة، وضعت صبرة الحشيّة والمخدّة والأغطية واستلقت تنظر إلى السماء تنتظر أن يفتح باب العرش في وجهها من جديد كما فتح وهي طفلة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها. ليلتها كانت ليلة القدر ليلة صيفية، كانت وصديقتها هناء تنتظران على سطح المنزل في لهو طفولي وقد صدّقتا أسطورة باب العرش، وبينما كانت كلّ واحدة تحلم بصوت عال وترتب مطالبها سمعتا وقع خطوات على السطح. هربت هناء. أما صبرة فقد ظلّت مغمضة العينين تنتظر هذا الذي سيفتح لها باب العرش. قدح ضوء في الظلام. سمعت صبرة صوت القدح ففتحت عينيها وشاهدت وجها ملائكيا احتضنها وأخذها إلى جناته.
انتظرت العائلة عودة صبرة خاصة وأن خطيبها استعدّ ليضع في أصبعها خاتم الخطوبة. مرّت الساعة حتى كادت تبلغ الثانية بعد منتصف الليل.
بحث الجميع عن صبرة فلا أثر لها. قالت هناء : «لعلها على السطح تشاهد النجوم وتستمتع بالليل»، صعد الجميع إلى سطح المنزل فعثروا على الحشية والأغطية دون أن يكون هناك أثر لصبرة !
آمال مختار
أحدث أقدم